
قد لا يكون منتزه وايت ساندز الوطني في نيو مكسيكو بشهرة المعالم العالمية الكبرى، لكن كثبانه الجبسية تفتح اليوم نافذة نادرة ومذهلة على حياة أقدم سكان الأمريكتين، مقدمةً اكتشافات علمية تعيد صياغة فهمنا لتاريخ البشرية وتوقيت وصولهم إلى القارة.
بعد عامين فقط من تحويله إلى منتزه وطني في 2019، أصبح وايت ساندز بؤرة اهتمام علماء الآثار العالميين، بعد العثور على آثار أقدام بشرية متحجرة يعود تاريخها إلى ما قبل 21 ألفاً إلى 23 ألف عام، وذلك بناءً على تحليلات التأريخ بالكربون المشع.
كان الاعتقاد العلمي السائد لسنوات طويلة يشير إلى أن البشر وصلوا إلى أمريكا الشمالية قبل نحو 13 ألفاً إلى 16 ألف عام فقط عبر جسر بيرينغيا البري. إلا أن اكتشافات وايت ساندز أثبتت وجوداً بشرياً خلال ذروة العصر الجليدي الأخير، حينما كانت صفائح جليدية هائلة تغطي الثلث الشمالي من القارة.
هذا الاكتشاف يفتح الباب أمام نظريات بديلة، منها فرضية الهجرة الساحلية التي تقترح أن البشر ربما استخدموا قوارب صغيرة للإبحار بمحاذاة سواحل آسيا وصولاً إلى القارة الجديدة.
لم تكن الآثار مجرد بصمات، بل كانت سجلات حية لعلاقة البشر بالحيوانات الضخمة في ذلك العصر، مثل ماموث كولومبيا وقطط ذات الأنياب السيفية. وفي يناير 2016، عثر ديفيد بوستوس، مدير الموارد المتكاملة في المنتزه، على الدليل القاطع: آثار أقدام ماموث فوق آثار أقدام بشرية مباشرة، مما يؤكد تعايش الطرفين في الفترة ذاتها.
يوضح بوستوس أن هذه الآثار تشبه مقاطع من فيلم؛ إذ يمكن للباحثين رؤية قصص مذهلة، منها مسارات تمتد لأكثر من 1.5 كيلومتر لامرأة كانت تحمل طفلاً وتضعه أرضاً بين الحين والآخر في رحلة محفوفة بمخاطر الحيوانات المفترسة كالذئاب الرهيبة.
ولحسم الجدل العلمي حول عمر الآثار، قدم فريق البحث في عام 2023 أدلة إضافية استندت إلى تحديد عمر حبوب اللقاح الصنوبرية وتحليل حبيبات الكوارتز، مما أكد صحة النتائج الأصلية وأنهى التشكيك الذي طال عمر الموقع.
ويختم بوستوس بقوله إن اكتشاف هذه الآثار يذكرنا بحقيقة إنسانية جوهرية: أننا دائمًا متشابهون. فمع استخراج كل قصة جديدة من الرمال، يتضح أن البشر في عصور ما قبل التاريخ كانوا يشاركوننا ذات المشاعر والتحديات، تاركين خلفهم آثاراً تروي حكايتهم للأجيال القادمة.