
أظهرت التوترات الأخيرة في الشرق الأوسط محدودية أدوات التأثير الأوروبية، حيث وجدت دول القارة العجوز نفسها أمام معادلة جيوسياسية بالغة التعقيد، توازن بين التحالف الوثيق مع الولايات المتحدة، والحفاظ على العلاقات مع دول الخليج، وتجنب التداعيات الكارثية للحرب على أمن الطاقة والتجارة العالمية.
وتواجه دول الاتحاد الأوروبي تحديات وجودية بحكم موقعها الجغرافي واعتمادها الحيوي على النفط والغاز والمواد البتروكيمياوية. وتبرز المخاطر الاقتصادية بوضوح عند النظر إلى حركة الملاحة في مضيق هرمز، الذي يعبره نحو 20 مليون برميل من النفط يومياً، مما يضع الاقتصادات الأوروبية أمام تهديد مباشر في حال اتساع رقعة الصراع.
تباينت المواقف الأوروبية إزاء الأزمة؛ فبينما أبدت ألمانيا استعداداً للتعاون مع واشنطن، اتخذت بريطانيا موقفاً متحفظاً قبل أن تنخرط بشكل أكبر عقب استهداف قواعدها، في حين سجلت إسبانيا رفضاً صريحاً للحرب. هذا التباين كشف عن تراجع قدرة أوروبا على لعب دور الوسيط المستقل، وهو الدور الذي كانت تضطلع به بفعالية خلال مفاوضات الاتفاق النووي الإيراني، حين كانت الترويكا الأوروبية شريكاً أساسياً في العملية الدبلوماسية.
وفي سياق متصل، أكد آلان بيرسيه، الأمين العام لمجلس أوروبا، أن الاتفاق الأخير بشأن غرينلاند يمثل خطوة نحو استقرار العلاقة بين الولايات المتحدة وأوروبا، رغم استمرار وجود خلافات جوهرية في ملفات أخرى. وشدد بيرسيه على ضرورة أن تسعى أوروبا لتوسيع مساحة الحوار مع شركاء دوليين في آسيا الوسطى وأفريقيا والشرق الأوسط لتعزيز التعددية.
وحول الانتقادات الموجهة لأوروبا بشأن ازدواجية المعايير بين الحرب في أوكرانيا والعدوان على غزة، نفى بيرسيه وجود اختلاف في المبادئ، مؤكداً أن حقوق الإنسان عالمية ولا تتجزأ، واصفاً ما يحدث في غزة بأنه غير مقبول ويتعارض مع القانون الدولي. وأوضح أن التفاوت في التحرك الأوروبي يعود إلى طبيعة العضوية في مجلس أوروبا، حيث تعد أوكرانيا عضواً في المجلس، مما يمنحه آليات عمل مباشرة، مشدداً في الوقت نفسه على أهمية إنهاء الحرب في أوكرانيا وفق شروط عادلة للشعب الأوكراني.