
نجح فريق من العلماء بقيادة اختصاصي المناعة نيكولاس أربايا من جامعة كولومبيا في ابتكار نهج علاجي واعد يعتمد على إعادة هندسة البكتيريا النافعة لتحويلها إلى عميل مزدوج يستهدف الأورام السرطانية بدقة متناهية، مما يفتح آفاقاً جديدة لتقليل الآثار الجانبية للعلاجات التقليدية.
استندت الدراسة إلى سلالة غير ممرضة من البكتيريا النافعة تُعرف باسم إيشيريشيا كولاي نيسل 1917 (Escherichia coli Nissle 1917). وتتميز هذه البكتيريا بقدرتها الطبيعية على اختراق الأورام والتكاثر داخلها، مستفيدة من بيئة الورم التي تتسم بانخفاض مستويات الأكسجين وضعف الاستجابة المناعية المحلية.
عند حقن الفئران المصابة بسرطان القولون والمستقيم بهذه البكتيريا، لوحظ تراكمها بكثافة داخل الأورام، حيث تجاوز عددها مليار خلية بكتيرية لكل غرام من نسيج الورم خلال خمسة أيام فقط.
قام العلماء بتعديل جينات البكتيريا لتقوم بإنتاج إنزيم سيتوزين دياميناز، الذي يعمل على تحويل مادة 5-فلوروسيتوزين (منخفضة السمية) إلى عقار 5-فلورويوراسيل (علاج كيميائي قوي) داخل بيئة الورم مباشرة. ولضمان عدم قيام البكتيريا بتفكيك العلاج الذي تنتجه بنفسها، قام الباحثون بحذف جينات معينة مسؤولة عن ذلك، مما رفع من كفاءة العملية العلاجية بشكل ملحوظ.
لم يكتفِ العلماء بإنتاج العلاج الكيميائي موضعياً، بل طوروا البكتيريا لتصبح سلاحاً ثلاثي المفعول:
أظهرت التجارب على الفئران نتائج استثنائية؛ حيث اختفت ثلاثة أورام من أصل سبعة تماماً (بنسبة 43%). والأكثر إثارة هو رصد تأثير غير مباشر؛ إذ تباطأ نمو أورام ثانوية في أجسام الفئران لم تُحقن بالبكتيريا، مما يشير إلى أن العلاج حفز استجابة مناعية شاملة في الجسم ضد الخلايا السرطانية.
رغم هذه النتائج المبشرة، يؤكد العلماء أن الطريق لا يزال طويلاً قبل الانتقال إلى التجارب السريرية على البشر. فالدراسة لا تزال في مراحلها الأولية، وتتطلب اختبارات إضافية لتطوير طرق آمنة لإيصال هذه البكتيريا المعدلة إلى الأورام البشرية، والتأكد من فعاليتها في نماذج سرطانية أكثر تعقيداً.