
في تحول استراتيجي يعيد رسم خارطة الأمن الإقليمي، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 12 سبتمبر 2026، من دبلن، أن جماعة الحوثي تواصلت مع الإدارة الأمريكية مؤكدة رغبتها في تجنب المواجهة، مشيراً إلى أن الوضع في مضيق باب المندب سيسير بشكل جيد. جاءت هذه التصريحات تزامناً مع إحكام الحوثيين قبضتهم على بلدة ذوباب وجزيرة ميون، وسيطرتهم على ميناء المخا الاستراتيجي، مما منحهم حضوراً مباشراً عند مدخل أحد أهم الممرات المائية في العالم.
لا يمثل ما يحدث في باب المندب حدثاً معزولاً، بل هو حلقة في سلسلة طويلة من التراجع الأمريكي عن الالتزامات الأمنية التي دعمت لعقود معادلة الأمن مقابل النفط بين واشنطن ودول الخليج. يرى مراقبون أن الإدارة الأمريكية الحالية اختارت عدم التدخل عسكرياً ضد الجماعة المسلحة، مفضلةً تجنب جبهة قتال جديدة في اليمن في ظل انشغال قواتها بجبهة إيران.
من منظور واشنطن، يظهر ترتيب الأولويات بوضوح: إيران هي التهديد الرئيسي، وتأمين مضيق هرمز هو الأولوية القصوى لتدفقات الطاقة، بينما يُنظر إلى باب المندب باعتباره شريان إمداد يخدم بالدرجة الأولى الأسواق الآسيوية والصين، وهي مصالح لا يرى ترامب ضرورة لاستنزاف القوات الأمريكية من أجلها.
منذ سبعينيات القرن الماضي، استندت العلاقة الأمريكية الخليجية إلى ضمانة أمنية متبادلة. اليوم، تظهر مؤشرات انهيار هذه الصيغة نتيجة أربعة عوامل رئيسية:
في مواجهة هذا الفراغ، بدأت الرياض في تبني استراتيجية التحوط، عبر الإعلان عن تحالف بحري دفاعي متعدد الجنسيات يضم 14 دولة، لملء الفراغ الأمني. وتؤكد وزارة الدفاع السعودية أن أمن الممرات المائية الدولية هو مسؤولية جماعية تتطلب شراكات مستدامة، بعيداً عن الاعتماد الكلي على الضمانات الأمريكية التي باتت مشروطة ومحدودة.
إن ما نشهده هو بداية أفول حقبة الهيمنة الأمريكية المنفردة. وباتت الشراكة السعودية المصرية، وتنسيق الجهود لضمان استقرار الملاحة في البحر الأحمر، حجر الزاوية في بناء نظام أمني إقليمي ذاتي. لم يعد أمن الخليج منحة أمريكية، بل أصبح مسؤولية جماعية تفرضها ضرورة حماية المصالح الوطنية والسيادة الإقليمية في ظل عالم يتجه نحو التعددية القطبية، حيث لم يعد بإمكان أي قوة دولية بمفردها احتواء التحديات الأمنية المتصاعدة.