
لطالما ارتبطت المقولة التاريخية الشهيرة كل الطرق تؤدي إلى روما في الأذهان بكونها المركز المطلق والوحيد لشبكة المواصلات في الإمبراطورية الرومانية، إلا أن دراسة علمية حديثة جاءت لتضع حداً لهذا الاعتقاد، كاشفةً عن حقائق مغايرة حول التخطيط العمراني واللوجستي القديم.
اعتمد الباحثون على نموذج رقمي مفصل يضم نحو 299 ألف كيلومتر من الطرق الرومانية الممتدة عبر أوروبا وشمال إفريقيا والشرق الأوسط. وقد نُشرت نتائج هذه الدراسة في 15 سبتمبر 2026 في دورية نيتشر كوميونيكيشنز، بعد تحليل شبكة معقدة تضم 10516 نقطة تقاطع ونهاية طريق، ترتبط عبر 14901 مسار مختلف.
أظهرت النتائج أن روما كانت تتمتع بموقع استراتيجي على طرق الساحل الغربي لإيطاليا، لكنها لم تكن تشكل المركز لشبكة الطرق البرية على مستوى الإمبراطورية بأكملها. وفي هذا السياق، أوضح عالم الآثار الكلاسيكية في جامعة آرهوس الدنماركية، توم بروغمانز، أن المدينة كانت مركزية للملاحة في البحر المتوسط، لكنها لم تحظَ بذات الموقع داخل شبكة الطرق البرية.
وعلى الرغم من وضع الإمبراطور أغسطس عام 20 قبل الميلاد نصباً مذهباً عُرف باسم المعلم الذهبي في المنتدى الروماني ليكون نقطة انطلاق رمزية للطرق، إلا أن التحليلات أثبتت أن الطريق الأكثر مركزية داخل شبه الجزيرة الإيطالية كان يمتد بمحاذاة الساحل الأدرياتيكي، متجاوزاً روما في أهميته اللوجستية.
كشفت الدراسة أن موقع بيزنطة، التي أصبحت القسطنطينية في القرن الرابع الميلادي، كان أكثر ملاءمة ومركزية لربط شبكات الطرق بين قارتي أوروبا وآسيا. وأشار بروغمانز إلى أن موقعها عند مضيق البوسفور، مدعوماً بنظام العبّارات، جعلها عقدة أكثر أهمية ضمن أقصر مسارات السفر البري مقارنة بروما. كما لعبت عواصم المقاطعات، مثل أنقرة ولندن وكورنث، أدواراً محورية في إدارة الأقاليم وجباية الضرائب وتحريك القوات.
أكدت الدراسة وجود ارتباط وثيق بين كثافة الطرق الرومانية القديمة وشبكات النقل الرئيسية الحديثة، ما يعكس استمرار تأثير البنية التحتية القديمة في تشكيل أنماط النقل حتى يومنا هذا. وأوضحت النتائج أن الطرق الرومانية لم تكن مستقيمة دائماً كما يشاع، بل كانت تنحني بذكاء لتفادي التضاريس الوعرة والمرتفعات.
وخلاصة القول، لا تسقط هذه الدراسة المعنى المجازي للمقولة الشهيرة، لكنها تصحح صورتها الجغرافية؛ فبينما ظلت روما القلب السياسي والرمزي للإمبراطورية، كانت شبكة الطرق البرية تتسم بتعدد مراكزها وتوزعها الحيوي بعيداً عن العاصمة.