
تكشف بيانات مشروع مواقع وأحداث النزاعات المسلحة (أكليد)، أن منطقة الساحل الإفريقي، وتحديداً مالي وبوركينا فاسو والنيجر، تحولت إلى المركز الرئيسي لنشاط الجماعات المتشددة، في وقت شهدت فيه قدرات القيادة المركزية لتنظيم القاعدة تراجعاً ملحوظاً، إلى جانب انحسار نفوذ فروع أخرى للتنظيم خارج القارة الإفريقية.
وفي هذا السياق، يوضح أولف ليسينغ، كبير المحللين في مؤسسة كونراد أديناور ببرلين، أن إفريقيا لم تكن ضمن أولويات التخطيط الاستراتيجي للقاعدة قبل 25 عاماً، حيث كان تركيز التنظيم منصباً حينها على أفغانستان والعراق، مؤكداً أن القارة السمراء أصبحت اليوم ساحة العمليات الرئيسية.
تشير الأرقام إلى قفزة هائلة في وتيرة العنف؛ إذ ارتفع عدد حوادث العنف المرتبطة بالجماعات المتشددة في مالي وبوركينا فاسو والنيجر من 63 حادثاً في عام 2016 إلى 2845 حادثاً في عام 2025. وتتوقع التقارير أن يتجاوز هذا العدد حاجز الـ3 آلاف بنهاية العام الجاري، وذلك على الرغم من انخفاض إجمالي الوفيات الناجمة عن الإرهاب عالمياً إلى أدنى مستوياتها منذ عام 2008.
ووفقاً لتقرير مؤشر السلام العالمي لعام 2026، سجلت الأمم المتحدة أكثر من 9 آلاف وفاة مرتبطة بحوادث أمنية في هذه الدول الثلاث خلال العام الماضي.
وتبرز جماعة نصرة الإسلام والمسلمين كأبرز القوى المسلحة في المنطقة، حيث وسعت نطاق عملياتها لتشمل استهداف بلدات استراتيجية وقوات حكومية، مستخدمة تكتيكات متطورة كالكمائن، السيارات الملغومة، والطائرات المسيرة، مما أدى إلى عمليات نوعية طالت قيادات عسكرية رفيعة في مالي.
يقارن الخبراء بين القوة البشرية التي تمتلكها حالياً جماعات مثل نصرة الإسلام والمسلمين وحركة الشباب في الصومال، وبين الإمكانيات المحدودة التي كان يحظى بها تنظيم القاعدة قبل هجمات 11 سبتمبر. وتعد حركة الشباب في شرق إفريقيا نموذجاً لهذا الامتداد، حيث سجلت أكليد أكثر من 10 آلاف وفاة مرتبطة بعنف الحركة خلال الأشهر الـ18 الماضية.
رغم التوسع في السيطرة الميدانية وزيادة أعداد المقاتلين، يرى المحللون أن أهداف هذه الجماعات تختلف جوهرياً عن أجندة القاعدة التقليدية. فقد ابتعدت جماعات مثل نصرة الإسلام والمسلمين عن استهداف المصالح الدولية في أوروبا أو الولايات المتحدة، لتركز بدلاً من ذلك على الصراعات المحلية والسيطرة على الأرض.
ويؤكد الخبراء أن هذه الجماعات تظل محلية بدرجة كبيرة، في الوقت الذي تصف فيه تقارير الأمم المتحدة القيادة العليا للقاعدة بأنها باتت مهمشة، مع تزايد الغموض حول قدرتها أو رغبتها في تنفيذ عمليات خارجية في الوقت الراهن.