2026/09/16
أزمة الكنز الأزرق.. هل تعيد التغيرات المناخية رسم خريطة الثروة السمكية في موريتانيا؟

في قلب المحيط الأطلسي، حيث تلتقي التيارات البحرية الباردة بالمياه الدافئة، تبرز السواحل الموريتانية كواحدة من أغنى مناطق الصيد في العالم؛ بفضل ظاهرة صعود المياه العميقة المرتبطة بتيار الكناري، والتي تضخ المغذيات الأساسية للعوالق النباتية، مما يجعلها ركيزة حيوية للاقتصاد الوطني ومصدراً رئيسياً للأمن الغذائي والعملة الصعبة.

غير أن هذا الكنز الأزرق يواجه اليوم تحديات وجودية تتجاوز ضغوط الصيد التقليدية، إذ بدأت آثار تغير المناخ تعيد تشكيل البيئة البحرية بشكل متسارع، مما يفرض واقعاً جديداً على قطاع الصيد الموريتاني.

مؤشرات علمية: هجرة الأسماك شمالاً

تشير دراسة حديثة نُشرت عام 2024 في مجلة ساينتفك ريبورتس إلى تحولات جذرية في توزيع الأسماك السطحية الصغيرة. فبناءً على بيانات عقدين من المسوحات الصوتية وعمليات الجر العلمية، تبين أن السردينيلا المستديرة هي الأكثر تأثراً، حيث تحرك حد انتشارها الشمالي بنحو 181 كيلومتراً في كل عقد منذ عام 1995.

السردينيلا
السردينيلا المستديرة كانت الأكثر تأثراً بتحولات المناخ

وقد سجل الباحثون ارتفاعاً في حرارة سطح البحر بنحو 0.4 درجة مئوية لكل عقد، بالتزامن مع اضطراب في ديناميكية صعود المياه العميقة، وهو ما أكدته دراسة أخرى عام 2026 في مجلة مارين إنفيرونمنتال ريسيرش، مشددة على أن دمج المؤشرات البيئية في إدارة المصايد أصبح ضرورة حتمية لضمان الاستدامة.

تداخل المناخ مع ضغوط الصيد

من جهته، يوضح الباحث محفوظ الطالب ولد سيدي، من المعهد العالي لعلوم البحار في نواذيبو، أن التغيرات المناخية لا تعمل بمعزل عن النشاط البشري، بل تزيد من هشاشة المخزونات السمكية. ويشير إلى أن تحرك الأسماك نحو مناطق أبرد لا يعني بالضرورة تناقص أعدادها، بل يعني تغير مواقع انتشارها، مما يفرض تحديات في تقييم المخزون وصعوبات تشغيلية للأساطيل التقليدية التي باتت تضطر للإبحار لمسافات أطول.

خريطة

تهديدات بيئية متسارعة

ويؤكد المهندس والخبير البيئي علي سالم السالك، أن التحدي يتجاوز الاحترار إلى انخفاض مستويات الأكسجين في الطبقات العميقة، وازدياد حموضة المحيطات نتيجة امتصاص ثاني أكسيد الكربون. هذا المناخ القاسي يؤثر على قدرة الرخويات والقشريات على بناء هياكلها الكلسية، ويشوش على المسارات البيولوجية للأسماك في الهجرة والتكاثر.

ونظراً لأن الأسماك السطحية الصغيرة تشكل أكثر من 90% من حجم المصيد الوطني، فإن أي خلل في توزيعها يهدد الاقتصاد الوطني مباشرة. ويجمع الخبراء على أن الحل يكمن في الإدارة التكيفية للمصايد، التي تعتمد على الرصد العلمي الدقيق، وربط حصص الصيد بالمؤشرات البيئية، وتكثيف التعاون الإقليمي لحماية المخزونات المشتركة من الاستنزاف.

تم طباعة هذه الخبر من موقع السلام نيوز www.yen-news.com - رابط الخبر: http://alsalam-news.com/news43219.html