
تتعامل الرباط ومدريد بحذر شديد مع تداعيات موجات الهجرة التي شهدتها مدينة سبتة، وهو حذر يعكس تعقيدات العلاقات الثنائية المتجذرة في التاريخ والجغرافيا. فرغم ما يجمع البلدين من ترابط واعتماد متبادل، إلا أن ملفات الإرث الاستعماري، وعلى رأسها مدينتا سبتة ومليلية والجزر المغربية المحتلة، يظل حجراً مزعجاً في مسار هذه الشراكة الإستراتيجية.
تعد قضية مدينتي سبتة ومليلية والجزر المغربية في البحر الأبيض المتوسط التي لا تزال تحتلها إسبانيا بمثابة حجر مزعج في حذاء العلاقات بين البلدين، إذ تظل مصدرا كامنا للتوتر، يمكن أن يتجدد في أي لحظة
يتمسك المغرب بحقوقه التاريخية في الأراضي المحتلة، حيث يحرص على إبقائها حاضرة في خطاباته الرسمية والمحافل الدولية. ومع ذلك، يتبنى المغرب نهجاً إستراتيجياً يقوم على تأجيل الحسم وتجنب المواجهة المباشرة، مفضلاً التركيز على أولويات دبلوماسية أخرى، مع الحفاظ على الموقف الثابت الذي يرفض الاعتراف بشرعية الوجود الإسباني أو تحويل القضية إلى ملف أوروبي، لتبقى نزاعاً ثنائياً خالصاً.
ترتبط قضية سبتة ومليلية بشكل غير مباشر بملف الصحراء المغربية. فبعد التحول التاريخي في الموقف الإسباني عام 2022 بدعم مقترح الحكم الذاتي، تدرك مدريد أن تسوية ملف الصحراء قد تفتح الباب أمام نقاش جدي حول مستقبل المدينتين المحتلتين.
تاريخياً، حاول المغرب ربط ملف سبتة ومليلية بقضية جبل طارق، وهو ما عُرف بـ مذهب الحسن الثاني. لكن منذ منتصف الثمانينيات، اتخذ المغرب منحىً مختلفاً، حيث أكد الملك الراحل الحسن الثاني على خصوصية المدينتين وتمايزهما عن وضعية جبل طارق، داعياً إلى تفكير مشترك وهو ما لا تزال ترفضه الجانب الإسباني.
يحرص المغرب على إبقاء قضية سبتة ومليلية والجزر المحتلة حاضرة في خطاباته ووثائقه الرسمية وفي المحافل الدولية والإقليمية، حفاظا على الحقوق المغربية، مع ترسيخها في الوعي المغربي والدولي باعتبارها من آخر قضايا الاستعمار في أفريقيا
إن خيار المغرب الحالي بالاستمرار في التأكيد على مغربية هذه الأراضي دون التصعيد، يعد قراراً إستراتيجياً يراعي موازين القوى والظروف الإقليمية. ورغم أن البلدين قادران على احتواء أزمات الهجرة العابرة، إلا أن العلاقات ستظل محكومة بالحذر المتبادل.
ويبقى الرهان معلقاً على التزام الطرفين بخارطة الطريق التي أُقرت في أبريل 2022، والتي تدعو إلى معالجة الملفات المشتركة بروح من الثقة والتشاور، بعيداً عن سياسة فرض الأمر الواقع أو الأعمال الأحادية التي قد تعيد التوتر إلى الواجهة في أي لحظة.
تأجيل طرح قضية استرجاع سبتة ومليلية، والاكتفاء بالتأكيد المستمر على مغربيتهما، يمثل خيارا إستراتيجيا يراعي تعقيدات القضية وموازين القوى والظروف السياسية الراهنة. ولذلك، يحرص المغرب على الحفاظ على حقوقه وإبقاء القضية حاضرة، مع تجنب أزمات غير محسوبة