
بعد مرور أكثر من عقد على توقيع اتفاقية باريس للمناخ التي وحدت العالم حول هدف طموح بوقف ارتفاع درجات الحرارة عند 1.5 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية، تشير المعطيات الراهنة إلى أن الأرض في طريقها لتجاوز هذه العتبة الحرجة نتيجة الاعتماد المستمر على الوقود الأحفوري.
كشف تقرير حديث صادر عن برنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP) تحت عنوان تجاوز العتبة (Limiting Overshoot)، أن السيناريوهات الأكثر تفاؤلاً تشير إلى ارتفاع درجة حرارة الكوكب بمقدار 1.8 درجة مئوية. ويطرح التقرير مساراً بديلاً يتمثل في الارتفاع، ثم الذروة، ثم الانخفاض، وهو مسار يهدف إلى تجاوز السقف مؤقتاً قبل العمل على خفض درجات الحرارة مجدداً بحلول نهاية القرن.
يحذر الخبراء من أن كل جزء من الدرجة فوق عتبة الـ 1.5 يعني تفاقماً في الظواهر الجوية المتطرفة، وزيادة في مخاطر غرق الدول الجزرية والمدن الساحلية، وتسارعاً في فقدان التنوع البيولوجي. وقد أصبحت كوارث مثل الفيضانات الناتجة عن ذوبان الأنهار الجليدية أكثر تكراراً وفتكاً.
يرى خبراء المناخ أن التقدم التقني، خاصة في مجال الطاقة المتجددة حيث انخفضت تكاليف الطاقة الشمسية بنسبة 90% منذ عام 2010، قد فاق التقدم السياسي. ورغم أن اتفاقية باريس نجحت في خفض التوقعات المستقبلية للاحترار من 3.5 درجة إلى حوالي 2.5 درجة، إلا أن غياب الالتزام السياسي الصارم حال دون تحقيق الأهداف المرجوة.
وتبرز الولايات المتحدة كعنصر غير متسق في هذه المعادلة، لا سيما مع السياسات التي تبنتها إدارة دونالد ترامب بالانسحاب من الاتفاقية ودعم توسيع نطاق الوقود الأحفوري، في وقت تشهد فيه انبعاثات ثاني أكسيد الكربون مستويات قياسية جديدة.
يتزايد الطلب على الطاقة بشكل حاد لدعم مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، وهو ما يضع شركات التكنولوجيا الكبرى أمام تحديات مناخية صعبة. ففي عام 2024، استهلكت هذه المراكز نحو 1.5% من إجمالي الكهرباء العالمية، ومن المتوقع أن يتضاعف هذا الرقم بحلول عام 2030.
ويشير الخبراء إلى أن الاعتماد على الغاز الطبيعي لتشغيل هذه المراكز يهدد بمزيد من الانبعاثات الكربونية، مؤكدين على ضرورة تبني أنظمة طاقة دائرية واستعادة الحرارة المهدرة من مراكز البيانات لتقليل البصمة الكربونية.
يشدد تقرير الأمم المتحدة على أن العودة لمسار الـ 1.5 درجة تتطلب تنفيذ مشاريع واسعة النطاق لإزالة ثاني أكسيد الكربون (CDR)، سواء من خلال الحلول الطبيعية مثل إعادة التشجير أو التقنيات الصناعية لالتقاط الكربون وتخزينه. ومع ذلك، يؤكد الخبراء أن هذه التقنيات لا يجب أن تكون بديلاً عن الأولوية القصوى: وهي خفض الانبعاثات من المصدر.