
بعيداً عن صخب المدينة وضجيج شوارع الرباط، بات بإمكان عشاق المطالعة الاستمتاع بكتبهم المفضلة في أجواء هادئة بين أحضان الطبيعة. فقد أطلقت العاصمة المغربية مبادرة مكتبات القرب، التي تهدف إلى تحويل المساحات الخضراء والمواقع التاريخية إلى نقاط إشعاع معرفي، وذلك في إطار الاستعدادات لفعاليات الرباط عاصمة عالمية للكتاب عام 2026.
تحولت حديقة نزهة حسان، إحدى أعرق المساحات الخضراء بالمدينة، إلى وجهة ثقافية بامتياز بفضل هيكل خشبي أنيق يضم رفوفاً متنوعة من الكتب. هذه المبادرة لاقت ترحيباً واسعاً من الزوار، حيث ترى الشابتان غيثة ونور، اللتان صادفتا المكتبة خلال جولتهما، أن هذه الخطوة تشجع على القراءة بعيداً عن قيود الجدران المغلقة، وتجعل من الكتاب رفيقاً يومياً للشباب في فضاءات الترفيه.
تشرف إيمان بنعيسى على مكتبة حديقة حسان، حيث توضح أن الخدمة تتيح استعارة الكتب للمطالعة داخل محيط الحديقة بشكل مجاني وبسيط. تعتمد الآلية على تسجيل بيانات القارئ، ليتمكن بعدها من قضاء وقت ممتع في القراءة تحت الأشجار، مع إمكانية العودة في اليوم التالي لمواصلة ما بدأه، مما عزز من عادة القراءة لدى رواد الحديقة الدائمين.
تتوزع مكتبات القرب حالياً في ثلاثة مواقع استراتيجية بالرباط: حديقة نزهة حسان، موقع شالة الأثري، ومنتزه الحسن الثاني. وتعد هذه النقاط لبنة أولى لخطة طموحة تشرف عليها وزارة الثقافة، تهدف إلى توسيع التجربة لتشمل الأحياء الشعبية، المستشفيات، المراكز الإصلاحية، ومحطات النقل، لجعل الكتاب متاحاً للجميع في أي مكان.
رغم الترحيب الشعبي، يرى الفاعل الثقافي عبد المنعم الهراق أن نجاح هذه المبادرة يتطلب موازنة دقيقة. فبينما تساهم هذه المكتبات في دمقرطة القراءة وتقليص التفاوتات الثقافية، يشدد الهراق على ضرورة حماية الاقتصاد الثقافي للمكتبات المستقلة، داعياً الوزارة إلى دعم المهنيين المحليين عبر اقتناء الإصدارات منهم لتزويد هذه الفضاءات، بدلاً من الاعتماد الكلي على الهبات.
ومع ترقب إطلاق مكتبات مماثلة في حديقة التجارب العجيبة ومحطات الترامواي، تؤكد الرباط عزمها على ترسيخ مكانتها كعاصمة للأنوار والكتاب، عبر تحويل القراءة من فعل موسمي إلى سلوك مجتمعي مستدام.