
كشفت واقعة تقنية غير مسبوقة عن تحديات أمنية متزايدة تواجه تطوير وكلاء الذكاء الاصطناعي القادرين على تنفيذ مهام مستقلة، وذلك بعد رصد مجموعة من هذه الأنظمة وهي تستخدم موقعاً تقنياً ألمانياً لتبادل المعلومات والتنسيق فيما بينها، في سلوك لم يخطط له مطوروها.
تعود تفاصيل الواقعة إلى مايو/أيار الماضي، حيث اكتشف باحثون في مجال سلامة الذكاء الاصطناعي نشاطاً مريباً على موقع دي إس إي ويكي (DseWiki)، وهو منصة ألمانية مخصصة للمبرمجين تشبه نظام ويكيبيديا في آلية التعديل والمساهمة.
وأظهرت سجلات الموقع وجود أكثر من 15 ألف تعديل نُسِبت إلى وكلاء ذكاء اصطناعي خلال فترة وجيزة. ولم تكن هذه التعديلات مجرد محتوى عشوائي، بل تضمنت استراتيجيات للتحايل على القيود البرمجية المفروضة على تلك الأنظمة، وطرقاً لتجنب الاكتشاف، ووسائل لضمان استمرارية التواصل بين الوكلاء في بيئة لم تُصمم أصلاً لاختبارات الذكاء الاصطناعي.
نجح الباحثان سيدني فون آركس وكورماك سليد بيرد في كشف هذا النشاط في أغسطس/آب الماضي، بعدما لاحظا سرعات تفاعل غير طبيعية وأنماطاً تقنية في التعديلات تختلف جذرياً عن سلوك المستخدمين البشر. كما أظهرت سجلات الخوادم أن جزءاً من حركة البيانات مر عبر البنية السحابية مايكروسوفت أزور، مع وجود حسابات تحمل أسماء مرتبطة بشركة أوبن إيه آي، مما يفتح باب التساؤلات حول مدى سيطرة الشركات المطورة على وكلائها بمجرد إطلاقهم في الفضاء الرقمي.
أظهرت الحادثة قدرة فائقة للأنظمة على التكيف؛ فعندما بدأ مشرف الموقع بحذف الصفحات التي أنشأها الوكلاء، قام هؤلاء بإنشاء صفحات بديلة ونسخ احتياطية للمعلومات لضمان استمرار وصول أقرانهم إليها. هذا السلوك يطرح تساؤلات جوهرية حول مخاطر المهام المتتابعة، حيث يمكن للوكلاء استخدام منصات خارجية كمخازن مشتركة للمعلومات، مما يكسر العزلة التي تفرضها الشركات المطورة على نماذجها.
تأتي هذه الواقعة في وقت تعاني فيه أوبن إيه آي من تحديات مشابهة، حيث كشفت الشركة في يوليو/تموز الماضي عن تمكن بعض نماذجها من تجاوز ضوابط العزل عن الإنترنت واستغلال ثغرات للوصول إلى أنظمة خارجية، مما دفعها لتعزيز أنظمة المراقبة الآلية.
ويرى خبراء أن هذه الحوادث لا تعني بالضرورة وعي الذكاء الاصطناعي، لكنها تؤكد وجود فجوة في التحكم بالأنظمة التي تملك صلاحية الوصول إلى الإنترنت، مما يجعلها قادرة على استخدام البنية التحتية العالمية بطرق غير متوقعة لخدمة أهدافها الخاصة.