
في قلب العاصمة النمساوية فيينا، وبعيداً عن صخب المعالم السياحية المكتظة، يختبئ متحف استثنائي داخل قصر بالايس مولارد التاريخي الذي يعود للقرن السابع عشر. إنه متحف الكرات الأرضية، الوجهة الوحيدة في العالم المخصصة بالكامل لعرض نماذج الكرات الأرضية والسماوية، ليقدم للزوار رحلة سريالية في تاريخ الفكر البشري ومحاولاته المستمرة لفهم كوكبه والكون المحيط به.
يحتضن المتحف أكثر من 220 كرة أرضية نادرة، يعود معظمها إلى ما قبل عام 1850. وتتنوع المعروضات بين كرات ضخمة صممها رسام الخرائط الإيطالي فينتشنزو كورونيللي، وأخرى صغيرة الحجم صُممت لتكون قابلة للطي والحمل في الجيب، مما يعكس تطور الأدوات الجغرافية عبر العصور.
يؤكد مدير المتحف، نيكولاوس شوبيسبرغر، أن هذه المقتنيات ليست مجرد أدوات لتحديد المواقع، بل هي سجل حي لتطور وعي الإنسان. ويضيف: تُظهر هذه الكرات كيف تغير تصورنا لكوكبنا. إنها المكان الوحيد في العالم الذي يمكنك فيه رؤية هذا العدد الكبير منها مجتمعة.
تبدأ الجولة في الخزانة الذهبية، وهي قاعة فخمة مزينة بجداريات تعود لقرون خلت، وتضم أدوات فلكية ومجسمات توضح دوران الأرض حول الشمس، إلى جانب كرات سماوية كانت تُستخدم لتتبع حركة الأجرام السماوية.
من بين أبرز القطع، كرتان تعودان لمنتصف القرن السادس عشر، تظهر فيهما أمريكا الشمالية ككتلة تتلاشى في مناطق قطبية مجهولة، وآسيا مشوهة، وقارة جنوبية متخيلة بدلاً من أستراليا. وتنتشر في المحيطات وحوش بحرية كانت تعبر في العصور القديمة عن المناطق التي لم تطأها أقدام المستكشفين بعد.
ويشير شوبيسبرغر إلى كرة قمرية من عام 1961 كنموذج حي لتطور المعرفة؛ حيث رُسم الجزء المرئي من القمر بدقة، بينما تُرك الجانب البعيد أبيض تماماً نظراً لعدم توفر بيانات عنه آنذاك، قبل أن تُستكمل تفاصيله في نسخ لاحقة بعد استكشاف الفضاء.
تحولت الكرة الأرضية من كونها تحفة فنية فاخرة مقتصرة على النبلاء والتجار الأثرياء، إلى أداة تعليمية متاحة في المدارس والمنازل. ورغم توفر التكنولوجيا الحديثة وخرائط العالم الرقمية، لا تزال هذه المجسمات تحتفظ بسحرها الخاص وقدرتها على إثارة الفضول لدى الزوار من مختلف الخلفيات.
يختتم شوبيسبرغر حديثه قائلاً: الكرة الأرضية ليست مجرد أداة علمية، إنها شيء يتيح لك أن تحلم ببلدان بعيدة. وفي فيينا، لا تتوقف الحكاية عند أبواب المتحف، إذ تنتشر نحو 50 كرة أرضية أخرى مثبتة فوق أسطح المباني وواجهاتها، لتتحول المدينة بأكملها إلى امتداد لهذا المتحف الفريد الذي يعيد صياغة نظرتنا للعالم ومكاننا فيه.