
في الوقت الذي تتجه فيه الأنظار نحو ثورة الذكاء الاصطناعي، تتركز النقاشات عادة على وحدات معالجة الرسوميات والنماذج اللغوية العملاقة، متجاهلة الشرايين الحقيقية التي تمنح هذه التقنية حياتها: الكابلات البحرية التي تقبع في قاع المحيطات.
تمتد هذه الشبكة العصبية لأكثر من 1.7 مليون كيلومتر، حاملةً على عاتقها أكثر من 99% من حركة البيانات الدولية. ومع توسع نطاق الحوسبة، تحولت هذه الكابلات من مجرد ناقل لخدمات الإنترنت التقليدية إلى بنية تحتية إستراتيجية تعتمد عليها أحمال العمل الموزعة جغرافياً للذكاء الاصطناعي.
تفرض قيود الطاقة والمساحة على شركات التقنية توزيع عمليات تدريب النماذج اللغوية الكبيرة بين مراكز بيانات متباعدة. وهنا، تصبح الكابلات البحرية جزءاً حاسماً من معادلة الأداء؛ فبدون سعة كافية وزمن وصول منخفض، تصبح عملية التدريب باهظة التكلفة وبطيئة، وقد تتعرض للانهيار في حال انقطاع المسارات أو إعادة توجيه البيانات.

وتشير تقديرات شركة تليجيوغرافي إلى أن قيمة الكابلات الجديدة المقرر تشغيلها بين عامي 2026 و2029 تتجاوز 16 مليار دولار، حيث تسعى الشركات الكبرى لامتلاك هذه المسارات خوفاً من أن يصبح النطاق العريض الحلقة الأضعف في سلسلة الذكاء الاصطناعي.
تتجمع الكابلات في مضائق وممرات بحرية تعد من أكثر بقاع العالم توتراً، مما يجعلها عرضة للأضرار المادية والجيوسياسية. يبرز البحر الأحمر وباب المندب كمثال حي، حيث أدت حوادث قطع الكابلات إلى ارتفاع زمن الوصول وتأثر خدمات سحابية كبرى مثل أزور أوبن إيه آي.

وفي المحيط الهادئ، تحولت الكابلات إلى أداة في الصراع التقني بين الولايات المتحدة والصين. إذ أصبحت تايوان، التي تستضيف 15 كابلاً دولياً، نقطة ارتكاز حساسة، حيث سجلت المنطقة حوادث قطع متكررة أثارت مخاوف من استخدام التخريب المتعمد كأداة ضغط.

وصل القلق بشأن أمن البنية التحتية إلى مستويات عسكرية، حيث أعلن حلف شمال الأطلسي (الناتو) عن مهمة حارس البلطيق لحماية الكابلات بعد تعرض أكثر من 11 كابلاً للأضرار منذ أواخر عام 2023. ويستخدم الحلف الآن أنظمة ذكاء اصطناعي متطورة لاكتشاف الأنشطة الخبيثة في قاع البحر.

تكمن المعضلة الكبرى في الأسطول العالمي المتقادم لسفن إصلاح الكابلات، الذي لا يتجاوز 80 سفينة، منها ما يقترب من نهاية عمره الافتراضي. وفي ظل الحاجة المتزايدة لسرعة الإصلاح لضمان استمرارية خدمات الذكاء الاصطناعي، أصبحت عملية الصيانة نفسها معقدة بسبب البيروقراطية والتصاريح في المناطق المتنازع عليها.

ختاماً، مع توجه الصناعة نحو توزيع الحوسبة عالمياً، لم تعد الكابلات البحرية مجرد بنية تحتية عادية، بل أصبحت مكوناً إستراتيجياً وحساساً في جغرافيا الحوسبة، حيث تحدد مرونتها واستقرارها مستقبل الذكاء الاصطناعي ككل.