
في بيروت، ومع اقتراب كل عام دراسي جديد، بات مشهد الأسر اللبنانية أمام واجهات المكتبات يعكس واقعاً اقتصادياً مريراً. لم تعد العودة إلى المدارس موسماً للفرح وشراء المستلزمات الجديدة، بل تحولت إلى معركة تقشف يومية، حيث تُحسب الميزانيات بدقة وتُؤجل الاحتياجات أو تُستبدل بالخيار الأوفر.
تصف أم رامي، وهي أم لعدة أطفال، حال العائلات بقولها: الأسعار نار، لكننا مضطرون لتأمين تعليم أطفالنا. وبدلاً من الشراء المباشر، تتبع الأسر استراتيجيات جديدة، تبدأ بتبادل الكتب المستعملة، مروراً بإصلاح الحقائب القديمة بدلاً من شراء أخرى جديدة، وصولاً إلى تأجيل شراء المستلزمات غير الضرورية إلى مراحل لاحقة من العام الدراسي.
تتجاوز الأزمة حدود الميزانية لتخلق فجوة تعليمية واضحة بين الطلاب. وتؤكد تقارير منظمة اليونيسف أن 30% من الأسر اللبنانية اضطرت لخفض إنفاقها على التعليم، في حين تشير البيانات إلى أن ارتفاع الأقساط وتكاليف النقل والمواد التعليمية يعد السبب الرئيسي لخروج آلاف الأطفال من المسار التعليمي.
أصبح اللجوء إلى الكتب المستعملة خياراً استراتيجياً وليس ثانوياً. ووفقاً لمعطيات اتحاد الناشرين المدرسيين، اعتمدت الغالبية العظمى من الأهالي (نحو 94%) على شراء الكتب المستعملة في العام الماضي، وذلك لتوفير السيولة اللازمة لتغطية الأقساط المدرسية المتزايدة.
يوضح أصحاب المكتبات أن نمط الشراء قد تغير جذرياً؛ إذ لم يعد الأهالي يقتنون القوائم المدرسية كاملة دفعة واحدة، بل يجزئون مشترياتهم على مدار الموسم. وفيما تتراوح تكلفة الحقيبة المدرسية بين 20 و60 دولاراً، وتكلفة القرطاسية بين 15 و20 دولاراً، يظل الهاجس النفسي والاجتماعي حاضراً بقوة، حيث يعاني الأطفال من ضغوط المقارنة مع أقرانهم في ظل الظروف الاقتصادية الخانقة.