2026/09/01
خلف كواليس الحقيقة: من يدفع الفاتورة الباهظة للصحافة؟

سألني كثير من الأصدقاء، بعد صدور كتابي ذو فيكسر (The Fixer)، كيف استطعت أن أتذكر هذا الكم من التفاصيل والتواريخ وتسلسل الأحداث، والإجابة أبسط مما يتوقعون.

فخلال عملي في بغداد، بين 1998 و2006، كنت مسؤولا عن حسابات مكتب شبكة سي بي إس نيوز، وفي تلك السنوات كان التعامل يتم نقداً بشكل كامل. خلال تلك الفترة، صرفت ما مجموعه 19 مليون و347 ألفا و829 دولارا و91 سنتاً. هذا الرقم الهائل كان يتطلب دقة متناهية، لذا احتفظت بنسخة من كل فاتورة وإيصال داخل ملفات برتقالية اللون، كانت بمثابة السجل الدقيق لمسار كل مهمة صحفية، وأسماء الأشخاص، وتفاصيل الإنفاق اليومي.

لسنوات طويلة، لم يكن القارئ أو المشاهد مضطرا إلى التفكير كثيرا في هذا السؤال، كان يشتري الصحيفة بسعر زهيد، أو يشاهد نشرة الأخبار مجانا على شاشة التلفزيون، بينما كان هناك طرف آخر يدفع الجزء الأكبر من الفاتورة: المعلنون.

ما وراء الرقم: كلفة إنتاج الخبر

إن هذا الرقم، على ضخامته، لم يكن سوى جزء صغير من الكلفة الحقيقية لتغطية أحداث المنطقة؛ فهو لا يشمل تذاكر السفر، ولا أجور البث، ولا المعدات، ولا رواتب الطواقم، ولا تكاليف الأمن والحماية. كل ذلك لكي يصل إلى المشاهد في نهاية المطاف تقرير لا تتجاوز مدته دقيقتين.

لقد أعادتني رسالة إلكترونية حديثة من صحيفة نيويورك تايمز –تخبرني فيها بتغيير سياستها نحو الاشتراكات المدفوعة– إلى تلك الملفات البرتقالية، حيث بدا لي أن الرقم القديم والسؤال الجديد يتحدثان عن الشيء نفسه: كم تكلف الحقيقة؟ ومن سيدفع ثمنها؟

انهيار النموذج الاقتصادي التقليدي

كانت الإعلانات لسنوات طويلة هي الممول الرئيسي للمؤسسات الإعلامية، مما مكنها من الحفاظ على مكاتبها حول العالم. لكن مع صعود الإنترنت، انتقلت أموال الإعلانات إلى منصات التواصل الاجتماعي ومحركات البحث، وبدأ الخبر يصل للقارئ مجاناً، مما خلق جيلاً يعتقد أن الأخبار سلعة مجانية، بينما الواقع يخبرنا أن الأخبار لم تكن مجانية يوماً.

اليوم، نواجه معضلة حقيقية: إذا لم يدفع القارئ، وإذا لم تعد الإعلانات كافية، فمن سيمول الصحافة؟ الحكومات؟ أصحاب المليارات؟ أم الشركات الكبرى؟ ولكل ممول مصلحة، ولكل مال ثمن.

اليوم، وبعد أن اعتدنا أن تصل الأخبار إلى هواتفنا في اللحظة نفسها، وأن نقرأها ونشاهدها ونشاركها من دون أن نسأل من دفع ثمن إنتاجها، ربما أصبح علينا أن نطرح السؤال بطريقة مختلفة. ليس: لماذا علي أن أدفع مقابل الأخبار؟ بل: إذا لم أدفع أنا، فمن سيدفع؟

إن اشتراكات القراء اليوم ليست مجرد عملية بيع لمحتوى، بل هي تمويل للعملية التي تسبق الخبر: صحفي يسأل، ومحرر يدقق، ومصدر يخاطر، ومؤسسة تمتلك الشجاعة لقول لا أمام القوى النافذة. الحقيقة قد تكون حقاً للجميع، لكن الوصول إليها لم يكن يوماً بلا ثمن.

تم طباعة هذه الخبر من موقع السلام نيوز www.yen-news.com - رابط الخبر: http://alsalam-news.com/news40938.html