
في غزة، لم تعد الحرب مجرد حدث عابر، بل تحولت إلى جغرافيا تسكن التفاصيل اليومية للناجين، وتحديداً أولئك الذين وقفوا على مسافة صفر من الموت، فانتشلوا أحباءهم من تحت الركام، أو تعاملوا مع الأشلاء في غرف التكفين، أو شهدوا لحظات انطفاء الحياة في أقسام الطوارئ.
يروي المسعف عبد القادر أحمد لحظاته الأصعب حين تحول من منقذ للغرباء إلى باحث عن عائلته تحت أنقاض منزلهم. يقول عبد القادر: أدركت أنني أمام امتحان الابن الأصعب، حين قيل لي إن أمي وشقيقاتي وأخوالي تحت الركام.
في رحلة البحث المؤلمة، وجد عبد القادر نفسه يجمع أشلاء عائلته ويسمّي الأطراف ويضعها في أكفان أصحابها، محاولاً تجميد مشاعره ليتصرف كمسعف لا يعرف الضحايا، حتى ينجز المهمة التي فرضتها عليه الحرب.
على الجانب الآخر، يصف المكفّنون مثل عبد الكريم جاسر وعطية الدبور الموت بأنه رعب لا يعتاد. يقول الدبور إن أصوات صراخ الثكالى ووجوه الأطفال الشهداء لا تزال تلاحقه، مشيراً إلى أن الموت لا يصبح عادة، بل يظل جرحاً غائراً يرافقهم حتى في لحظات عودتهم إلى منازلهم.
هيك يصير فيك.. تتقطع!.. صدمة رجل فلسطيني بعد رؤيته أشلاء شهداء قضوا إثر غارة إسرائيلية استهدفت مركبتهم في حي تل الهوى بمدينة غزة
— قناة الجزيرة (@AJArabic) September 1, 2026
في مجمع الشفاء الطبي، عاش الدكتور معتز حرارة مشاهد تفوق القدرة البشرية على التحمل. يصف حرارة كيف كان يضطر أحياناً لترك مصابين يموتون لعدم توفر الإمكانات، وكيف أن وفرة الموت أجبرت الكوادر الطبية على القتال كي لا يتسلل التبلد إلى مشاعرهم، مفضلين معاملة كل مريض كأنه فرد من عائلتهم للحفاظ على إنسانيتهم.
الممرضة شروق الرنتيسي، التي شهدت حصار مستشفى كمال عدوان، تختصر المأساة في رائحة الدم والبارود. وتؤكد أن قسوة المشاهد التي مرت بها، من موت الخدج إلى نزع أجهزة التنفس قسراً، خلقت صراعاً داخلياً مستمراً بين الضعف البشري وواجب الاستمرار.
يوضح الاختصاصي النفسي سعيد الكحلوت أن الإنسان لا يعتاد الموت بالمعنى الحقيقي، بل يتعلم كيف يمر بجواره كي يستمر في الحياة. ويشير الكحلوت إلى أن المطلوب ليس محو الحرب من الذاكرة، بل أن تصبح الحرب جزءاً من القصة، لا القصة بأكملها، لافتاً إلى أن القدرة على إعادة بناء الأمان والمعنى تظل ممكنة حتى بعد أهوال الحرب.