
لطالما ساد الاعتقاد بأن المريخ عالم جيولوجي خامل يفتقر إلى الصفائح التكتونية، مما حدّ من قدرته على تشكيل بنى جيولوجية معقدة. إلا أن دراسة علمية حديثة نُشرت في دورية نيتشر أسترونومي في يونيو/حزيران 2026، قلبت هذه المفاهيم رأساً على عقب، كاشفةً عن أدلة زلزالية لوجود أنظمة صهارية ضخمة ومعقدة امتدت عميقاً داخل قشرة الكوكب في ماضيه.
اعتمد الباحثون من جامعة أكسفورد في دراستهم على البيانات الدقيقة التي جمعتها مركبة إنسايت (InSight) التابعة لوكالة ناسا، والتي ركزت على رصد حد زلزالي غامض يقع على عمق 24 كيلومتراً تحت السطح، وهو اكتشاف مهد الطريق لفهم طبيعة الصخور المكونة لباطن الكوكب.
من خلال تحليل الموجات الزلزالية الناتجة عن زلازل المريخ واصطدامات النيازك، ومقارنتها بنماذج حرارية وديناميكية، توصل العلماء إلى أن الطبقة الواقعة تحت الحد الزلزالي تتكون من صخور فوق مافية غنية بالحديد والمغنيسيوم، بسُمك يصل إلى 14 كيلومتراً، بينما تقع الحدود الفاصلة بين القشرة والوشاح على عمق 38 كيلومتراً.

ويرجح العلماء أن هذه الطبقة تشكلت بفعل التمايز الصهاري، وهي عملية تنفصل فيها مكونات الصخور المنصهرة أثناء تبريدها، حيث تستقر البلورات الثقيلة في الأسفل وتصعد المواد الخفيفة للأعلى، وهي آلية مشابهة لما يحدث في مناطق النشاط البركاني على الأرض.
تشير الأدلة إلى أن هذه الظاهرة ليست محلية، بل قد تمتد على مساحات شاسعة من النصف الشمالي للمريخ. ويصف الباحثون ذلك بـ النظام الصهاري عابر القشرة، حيث تحركت الصهارة عبر مستويات مختلفة وتغير تركيبها قبل وصولها إلى السطح أو استقرارها في خزانات داخلية.
وأشار الدكتور توبيرموري ماكاي-تشامبيون، الباحث الرئيسي في الدراسة، إلى أن المريخ قد احتفظ بأنظمة صهارية ضخمة وطويلة العمر، مما يعكس نشاطاً جيولوجياً أكثر تعقيداً مما كان متصوراً سابقاً.

تؤكد النتائج أن العمليات الجيولوجية المعقدة ليست حكراً على الكواكب ذات الصفائح التكتونية، مما يفتح آفاقاً جديدة حول تطور الكواكب الصخرية. ويرى البروفيسور جون ويد أن هذه الأنظمة الصهارية قد تكون أنتجت رواسب معدنية قرب السطح، مما يضيف بعداً استراتيجياً لاستكشاف موارد المريخ مستقبلاً.
إن ما كان يُنظر إليه كسطح بارد وخامل، يتبين اليوم أنه سجل محفوظ لنشاط حراري هائل، مما يعزز من أهمية مهمات مثل إنسايت في كشف أسرار كواكب تبعد عنا ملايين الكيلومترات، وإعادة صياغة فهمنا لظروف نشوء الحياة في الكون.