
قالوا لنا: إذا تحدثنا إلى وسائل الإعلام، فسيعيدون أحباءنا إلينا جثثاً هامدة.
كانت تلك التهديدات كفيلة بإسكات الكثير من العائلات في المنطقة العربية، التي وجدت نفسها أمام معضلة قاسية: هل تتحدّث أملاً في إنقاذ من اختفى قسراً، أم تلتزم الصمت خوفاً من أن يكون الكلام سبباً في فقدانه إلى الأبد؟
يُعدّ الاختفاء القسري من أكثر الانتهاكات الحقوقية تعقيداً في الدول العربية؛ إذ حُرِم آلاف الأشخاص من معرفة مصير ذويهم بعد احتجازهم أو اختطافهم وإخفاء أماكن وجودهم. وتبرز سوريا والعراق واليمن وليبيا ولبنان ومصر من بين الدول التي شهدت حالات موثّقة واسعة، بينما تشير تقديرات منظمة العفو الدولية إلى أن عائلات المفقودين في العراق وسوريا ولبنان واليمن أمضت مجتمعةً أكثر من مليون عام في انتظار معرفة مصير أحبائها.
لا تزال لانا (اسم مستعار) تنتظر أي خبر عن إخوتها وأمها الذين خطفهم مسلحون من مستشفى بحنس في قضاء المتن بجبل لبنان، في مارس/آذار عام 1976. تروي لانا كيف نُزع المصل والأكسجين عن شقيقها المصاب قبل اقتياده مع والدتها وشقيقيهما الآخرين إلى جهة مجهولة.
وتشير التقديرات إلى أن نحو 17,400 شخص اختفوا أو فُقدوا في لبنان خلال الحرب الأهلية (1975-1990)، ولا يزال مصير معظمهم مجهولاً.
يقول أحمد المضواحي إن والده، الدكتور علي المضواحي، اختُطف في يونيو/حزيران 2024 من مقر عمله في اليمن. عاشت العائلة في غموض تام لأكثر من ستة أشهر قبل أن تتمكن من التواصل معه، لتعلم لاحقاً أنه تعرّض للتحقيق والضغط، واضطر للاعتراف تحت التعذيب.
بعد أكثر من 800 يوم، أُحيل الوالد إلى محكمة جزائية مغلقة. يقول أحمد إن والده كان يكرس حياته لخدمة وطنه وتطعيم الأطفال، وهو ما قد يكون سبباً في احتجازه. يضيف أحمد: تعب نفسي شديد لأننا خائفون عليه.
مرّ عامان على اختفاء كمال الدين مدثر شايب حمزة في أم درمان. خرج كمال لإحضار الطعام ليُقتاد بسيارة كروزر إلى جهة غير معلومة. تعرضت العائلة لعمليات ابتزاز مالية واسعة من أشخاص ادّعوا امتلاك معلومات عن مصيره، لكن دون جدوى.
يقول شقيقه: 90 في المئة احتمال يكونوا قتلوه، هو ليس موجوداً في أي معتقل.
في قرية البوعكاش بالأنبار، غُيّب ما يقدر بـ 700 رجل في يوم واحد عام 2016. تصف جيهان سعد، التي فقدت زوجها وشقيقها، اللحظات بأنها مسلسل من الرعب بعد عزل الرجال عن النساء للتدقيق الأمني.
تقول جيهان: ما نعرف إذا ميتين أو طيّبين.. كل سنة يفتحون مقبرة جماعية بالأنبار ويفتحون عليها جروح. اضطرت جيهان في النهاية لاستخراج شهادة وفاة لزوجها عام 2020 لتتمكن من إعالة أطفالها.
تروي ثناء اللحام أن زوجها مفيد حروب اختفى عام 2012 بسبب نشاطه في إغاثة النازحين بداريا. خاضت ثناء رحلة مؤلمة من الابتزاز المالي، حيث استنزف محتالون أموالها التي حصلوا عليها بعد بيع منزلها وسيارتها مقابل وعود كاذبة بمعرفة مصيره.
تقول ثناء: تدمرت حياتي وحياة أولادي. كلما أحاول أن أقف على رجلي، يحدث لي شيء يرجعني إلى الصفر.