
في أحد متاجر الملابس بحي الشيخ رضوان في مدينة غزة، يقف فراس زقلوت عاجزاً عن إتمام عملية شراء بسيطة. لا يعود السبب إلى نقص المال في رصيده، بل إلى رفض البائع للعملات الورقية المهترئة التي يحملها، في مشهد بات يتكرر يومياً في ظل ما يسميه سكان القطاع مجاعة النقد.
فقد زقلوت هويته الشخصية تحت ركام منزله الذي دمره القصف الإسرائيلي، وهو ما منعه من فتح حساب بنكي أو محفظة إلكترونية، ليجد نفسه محاصراً بين عملات ورقية تالفة يرفضها التجار، وعجز عن الوصول إلى الخدمات المالية الرقمية.

تعاني غزة من نقص حاد في السيولة النقدية نتيجة القيود الإسرائيلية المشددة على دخول الأموال منذ أكتوبر 2023، بالتزامن مع تدمير واسع النطاق طال أكثر من 50 فرعاً بنكياً وعشرات الصرافات الآلية. حتى مع إعادة فتح بعض الفروع، ظلت الخدمات مقتصرة على الجوانب الإدارية، مع غياب شبه تام للسيولة النقدية الجديدة، مما دفع المواطنين نحو اعتماد قسري على التحويلات الرقمية.
تصف الطالبة إسراء نجم (23 عاماً) معاناتها اليومية، حيث تضطر لانتظار والدتها لتحويل الأموال إلكترونياً للبائع، وهي عملية تستغرق ساعات وتعتمد على توافر الإنترنت. تقول نجم: هناك أزمة ثقة بين البائع والمشتري، وأحياناً لا تتوفر الشبكة، مما يجعل إتمام عملية شراء بسيطة أمراً بالغ الصعوبة.

أدت هذه الأزمات إلى نشوء محاور تجارية غير رسمية؛ حيث تتجمع المحلات التي توفر خدمة واي فاي مجانية لاستقبال الزبائن. ويؤكد محمد عويدة، بائع مكسرات، أن شراء أبسط الاحتياجات أصبح يتطلب تخطيطاً مسبقاً، بما في ذلك شحن الهاتف والتأكد من توافر عدة طرق دفع، لأن كل بائع يفرض شروطه الخاصة.
حتى الأطفال، مثل عبد الهادي أبو شعبان (14 عاماً)، الذي يبيع الخبز، باتوا يعتمدون على هذه التكنولوجيا؛ حيث يطلب من الزبائن التحويل لحساب والده البنكي، نظراً لعدم قدرته على التعامل بالعملات المهترئة التي لا تصلح للتداول.
