
في تحول لافت في عقيدة الأمن الإسرائيلية، بدأ رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في الآونة الأخيرة بتبني خطاب ديني متصاعد في تصريحاته المتعلقة بالحرب. ففي مؤتمر عُقد في القدس الغربية، استدعى نتنياهو نصاً دينياً يهودياً قديماً يُترجم إلى إذا جاء أحد لقتلك، فقم واقتله أولاً، مختزلاً إياه في العبارة الإنجليزية المباشرة: اقتلهم أولاً.
هذا التحول يعكس رغبة في تحويل الاستراتيجية العسكرية إلى ما يشبه الحرب المقدسة، وهو نهج طالما تجنبت القيادات العسكرية الإسرائيلية التقليدية استخدامه خشية الانتقادات الدولية. وقد تجلى هذا النهج بوضوح حين استشهد نتنياهو أمام جنود جيش الاحتلال بأمر ديني بـ تذكر ما فعله عماليق، في إشارة توراتية تُستخدم لتبرير التدمير الشامل لمجموعات بشرية، وهو ما اعتبره خبراء قانونيون دوليون دليلاً على وجود نية إبادة جماعية في الحرب على غزة.
لا يقتصر التوظيف الديني على نتنياهو وحده، بل يمتد ليشمل قيادات سياسية وعسكرية أخرى استخدمت لغة شيطانية لتبرير الأفعال العسكرية. فعند إعلان الحصار الكامل على قطاع غزة، وصف وزير الدفاع السابق يوآف غالانت الفلسطينيين بـ الحيوانات البشرية. ورغم أن العبارة قد لا تكون دينية صراحة، إلا أنها تندرج ضمن إطار نزع الإنسانية الذي يمهد لتسويغ الانتهاكات.
تاريخياً، لعبت الشخصيات الدينية دوراً في توجيه السياسة العسكرية؛ ففي عام 2004، أصدر الحاخام أبراهام شابيرا فتوى اعتبرت تفكيك المستوطنات خطيئة كبرى. وتشير دراسات حديثة إلى أن استخدام المراجع التوراتية في الخطاب الحربي الإسرائيلي ليس حديث العهد، بل كان حاضراً بقوة منذ تأسيس الدولة، رغم ادعاء القادة العلمانية.
تُستخدم النصوص الدينية أيضاً كأداة سياسية لتبرير الاستيطان في الضفة الغربية والقدس الشرقية. ويروج وزراء في الحكومة الحالية، مثل بتسلئيل سموتريتش، لفكرة الأحقية التوراتية في أراضي الضفة الغربية، مطلقين عليها مسميات يهودا والسامرة، مع تخصيص ميزانيات ضخمة لتعزيز وجود المستوطنين هناك.
ويرى الأكاديمي إبراهيم أبو شريف أن صبغ الصراع بالصبغة اللاهوتية يحول الجغرافيا السياسية المعقدة إلى دراما أخلاقية، حيث قال: الحرب في جوهرها ليست لاهوتية بل جيوسياسية، لكن الخطاب المحيط بها يعتمد بشكل متزايد على الصور المقدسة والسرديات الحضارية.
تحول هذا الخطاب من مجرد كلمات إلى ممارسات ميدانية، كما هو الحال مع شخصيات مثل الحاخام أفراهام زاربيف، الذي شارك في عمليات هدم المنازل في غزة ولبنان، وافتخر علناً بتشريد العائلات الفلسطينية. وقد أثار تكريم مثل هذه الشخصيات في احتفالات رسمية إسرائيلية إدانات من منظمات حقوقية، التي اعتبرت ذلك تبنياً رسمياً لسياسات التطهير العرقي وجرائم الحرب كجزء من روح الأمة.