
على سفوح جبال المعاضيد في الجزائر، تقف أطلال قلعة بني حماد شاهدة على حقبة مفصلية في تاريخ المغرب الأوسط. هذه المدينة التي تأسست عام (398هـ/1007م) على يد حماد بن بلكين، لم تكن مجرد عاصمة سياسية، بل كانت حصناً جبلياً منيعاً وفّر للدولة الناشئة الحماية اللازمة في لحظات التأسيس الحرجة.
مع تعاظم التحديات الإقليمية، لا سيما الزحف الهلالي، أدرك قادة الدولة الحمادية أن البقاء في الجبل لم يعد كافياً لطموحات الدولة الاقتصادية والسياسية. يوضح الباحث خالد حموم أن الانتقال إلى بجاية في عهد الأمير الناصر بن علناس (عام 461هـ/1069م) لم يكن هروباً، بل كان قراراً إستراتيجياً مدروساً للتحول من اقتصاد القوافل البرية إلى اقتصاد السفن البحرية.
بتحول العاصمة إلى بجاية، التي جمعت بين حصانة الجبل وانفتاح البحر، تغير وجه الدولة الحمادية. لم تعد الموانئ مجرد نقاط تجارية، بل تحولت إلى مراكز إشعاع حضاري. وبحسب الباحث محمد غرتيل، أصبحت بجاية نقطة تقاطع حضاري استقبلت العلماء والرحالة من شتى بقاع العالم، حتى أن العالم الإيطالي فيبوناتشي تعلم فيها مبادئ الأرقام العربية ونقلها إلى أوروبا.
هذا الانفتاح لم يقتصر على العلم، بل شمل العمران أيضاً، حيث شيد الحماديون صروحاً معمارية مذهلة، يتقدمها قصر اللؤلؤة، بينما شجعت السياسة الدينية والاقتصادية المتسامحة للأمير الناصر على جذب التجار من مختلف الديانات، مما عزز مكانة المدينة كقوة اقتصادية متوسطية.
إن تجربة انتقال الدولة الحمادية من قلعة بني حماد إلى بجاية تقدم درساً تاريخياً في قراءة الجغرافيا. فقد أثبت الحماديون أن القرار السياسي القوي هو القادر على تحويل عوائق الجغرافيا إلى فرص للتوسع؛ حيث كان الجبل درعاً في مرحلة البناء، وكان البحر نافذة في مرحلة التمكين والازدهار الحضاري.