2026/08/23
سيرة الانتهازية في حياة ابن خلدون: كيف شرعن مؤسس علم الاجتماع التملق السياسي؟

تُعد مقدمة ابن خلدون حجر الزاوية في العلوم الاجتماعية والسياسية، إلا أن الوجه الآخر لمؤسس هذا العلم يكشف عن شخصية مغايرة تماماً، حيث لم يكتفِ ابن خلدون بالتنظير للدول وأفولها، بل كان فاعلاً سياسياً دائم السعي للقرب من ذوي الجاه، وهو ما أثار جدلاً تاريخياً واسعاً حول العلاقة بين المبادئ الأخلاقية والممارسة السياسية في حياته.

مغامرات ابن خلدون السياسية

بدأ ابن خلدون مسيرته في تونس، لكن طموحه قاده لتقلبات حادة في بلاط السلاطين؛ من المغرب الأقصى إلى الأندلس، وصولاً إلى مصر. تشير المراجع التاريخية، بما فيها مذكراته التعريف، إلى أنه اعتمد نهجاً براغماتياً للوصول للمناصب، حتى لو تطلب ذلك التآمر على من أحسنوا إليه، وهو ما دفع مؤرخين مثل طه حسين وعبد الواحد وافي لوصف حياته بأنها سلسلة من المغامرات السياسية التي غلبت فيها المصلحة الشخصية على المبادئ.

data-recalc-dims=1
ابن خلدون اعتقل وسجن واستعطف السلطان بالشعر (الجزيرة – مولدة بالذكاء الاصطناعي)

على أي حالٍ لليال أعاتبُ .. وأيّ صروفٍ للزمان أغالبُ

ابن خلدون وتيمورلنك: جدل الخضوع والواقعية

تظل واقعة لقاء ابن خلدون بالزعيم المغولي تيمورلنك في الشام الأكثر إثارة للجدل. فقد وصف ابن خلدون نفسه سلوكه أمام تيمورلنك بـ إيماءة الخضوع، مبرراً ذلك في إطار نظرته للعصبية والواقعية السياسية، بينما رأى نقاده أنها كانت محاولة سافرة لضمان مكانة في بلاط الغازي الجديد.

data-recalc-dims=1
تقريب تيمورلنك لابن خلدون بغرض معرفة أحوال بلاد المغرب (الجزيرة – مولدة بالذكاء الاصطناعي)

التنظير للتملق السياسي: اقتصاد الجاه

لم يعتبر ابن خلدون التملق رذيلة فردية، بل وظيفة بنيوية في اقتصاد الجاه. فقد جادل بأن الجاه هو مورد اقتصادي وموضع ارتزاق، وأن العالم أو التاجر الذي يترفع عن التملق مصيره الفقر والخصاصة. يرى ابن خلدون أن المجتمع في ظل الأنظمة السلطوية يقوم على الوساطة، حيث لا تُنال الحقوق بالكفاءة وحدها، بل بالقرب من أصحاب النفوذ.

data-recalc-dims=1
كلّ كسب عند ابن خلدون له مسيس بالسلطة وعُلْاقة بها، ولا يمكن أن يستقل عنها بحال، أو تنأى هي عنه (الجزيرة – مولدة بالذكاء الاصطناعي)

لا يمكن فهم التملق السياسي عند ابن خلدون إلا من خلال مفهوم الجاه

الفقهاء في قفص الاتهام

انتقد ابن خلدون الفقهاء الذين يترفعون عن الخضوع للسلطة، معتبراً إياهم واهمين في تصورهم لاستقلال العلم عن السياسة. وبحسب الحافظ ابن حجر، فإن ابن خلدون نفسه، حين تولى القضاء في مصر، اتسمت معاملته بالشدة والتعسف، مما يعكس انعكاساً لنفسيته التي كانت تتأرجح بين التواضع مع الأكابر والتعالي في ممارسة السلطة.

العلامة
العلامة ابن خلدون مع مبان من القاهرة القديمة (الجزيرة)

في النهاية، يظل ابن خلدون نموذجاً للمفكر الذي فكك بنية السلطة والمجتمع، لكنه في الوقت ذاته عاش داخل هذه البنية كلاعب بارع، محولاً التملق من سلوك أخلاقي مذموم إلى استراتيجية بقاء عقلانية في عالم تسيطر عليه الدولة وتتحكم فيه أقدار الأفراد.

تم طباعة هذه الخبر من موقع السلام نيوز www.yen-news.com - رابط الخبر: http://alsalam-news.com/news37904.html