
في ظل أزمة إنشائية خانقة يعيشها قطاع غزة، نتيجة نقص مواد البناء وإغلاق المعابر وتعطل سلاسل التوريد، برزت تجربة هندسية استثنائية في مدينة دير البلح، حيث تم تشييد مبنى من طابقين يعتمد في هيكله على مواد مستمدة من مخلفات الحرب والركام.
وتوضح شركة الرمال الطيبة، القائمة على المشروع، أن هذه الخطوة جاءت كبديل اضطراري عن أساليب البناء التقليدية التي تعتمد كلياً على الإسمنت والخرسانة، وذلك لتلبية الاحتياجات اللوجستية للمؤسسات الإغاثية، بما في ذلك برنامج الأغذية العالمي، لتنظيم عمليات التخزين وحركة الشاحنات في المنطقة الوسطى.
يعتمد المبنى في تصميمه على هيكل داخلي من القطاعات الحديدية (البروفيل)، مع الاستفادة من قواعد إنشائية قائمة كانت جزءاً من منشآت مدمرة. وقد تم تنفيذ الواجهات الخارجية باستخدام الحجر القدسي -الذي جُمع جزء منه من أنقاض المنازل المقصفة- بينما غُطيت الأسقف بألواح الزينكو المصفح، مع إجراء أعمال عزل حراري ورطوبي دقيقة.
يقول المهندس عوني شرف، المشرف على المشروع: فكرة البناء بهذه الطريقة فرضتها ظروف الحرب القاسية؛ حيث دفعنا نقص المواد وتدمير المصانع للبحث عن حلول غير مألوفة، فاعتمدنا على حزام أرضي من الحديد واستبدلنا الخرسانة بالهياكل المعدنية.
تخطط الشركة لتجهيز مساحة تصل إلى 30 دونماً ضمن منظومة لوجستية متكاملة، تشمل مخازن مغطاة بمساحة تتجاوز عشرة دونمات لتخزين المواد الغذائية. ويشير المدير التنفيذي للشركة، يونس أبو معيلق، إلى أن التحدي الأكبر تمثل في تأمين مواد إنشائية فعلية قادرة على تحمل أعباء مشروع متكامل، وهو ما دفعهم للبحث في مواقع الدمار عن مواد قابلة لإعادة التدوير والتوظيف.
رغم نجاح تجربة الإنشاء الميكانيكي في إنجاز مبنى في غضون أربعة أشهر، يشدد القائمون على المشروع على أن هذه البدائل تظل حلولاً استثنائية للطوارئ، ولا يمكن اعتبارها بديلاً مستداماً عن مواد البناء التقليدية.
وخلص القائمون على التجربة إلى أن الحل الحقيقي للأزمة الإنشائية في غزة يتجاوز حدود الابتكار في استخدام الركام؛ إذ يتطلب بالضرورة فتح المعابر، وإعادة تشغيل المصانع، وتدفق سلاسل التوريد الأساسية، لضمان الانتقال من مرحلة الصمود المؤقت إلى مرحلة إعادة الإعمار المنظمة والمستدامة.