
في تطور لافت يوسع نطاق التوترات الجيوسياسية، برزت منطقة جنوب شرق أوروبا، وتحديداً بلغاريا، كهدف محتمل في استراتيجية الرد الإيراني على العمليات العسكرية التي تقودها الولايات المتحدة. يأتي هذا التهديد في وقت تسعى فيه طهران للضغط على حلفاء واشنطن لثنيهم عن تقديم الدعم اللوجستي للعمليات الأمريكية في الشرق الأوسط.
في يوليو الماضي، صادق البرلمان البلغاري على اتفاقية تسمح باستخدام قاعدة بيزمير الجوية لإعادة تزويد الطائرات العسكرية الأمريكية بالوقود، وهو إجراء اعتبرته طهران جزءاً من آلية دعم العمليات العسكرية ضدها. وفي هذا السياق، وجه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي تحذيراً مباشراً لنظيره البلغاري، مؤكداً أن أي دولة تساهم في العدوان الأمريكي ستصبح هدفاً مشروعاً للرد الإيراني.
وتشير تقارير إلى أن طهران قد تعتمد استراتيجية توسيع رقعة المواجهة إذا ما رأت أن واشنطن تعمل على تصعيد الصراع. وفي هذا الشأن، توضح أرميدا فان ريج، الباحثة في مركز الإصلاح الأوروبي، أن منطقة جنوب شرق أوروبا تُعد نقطة رخوة استراتيجياً، نظراً لاستضافتها قواعد تابعة لحلف الناتو وكونها حلقة وصل في إمدادات حيوية، فضلاً عن موقعها المطل على البحر الأسود.
من منظور التحليل السياسي، يرى خبراء أن طهران تدرك أن استهداف دولة عضو في الاتحاد الأوروبي والناتو قد يغير قواعد اللعبة تماماً. فبدلاً من أن تكون أوروبا طرفاً مراقباً أو متحفظاً على سياسات واشنطن، قد يؤدي أي هجوم إيراني إلى تفعيل المادة الرابعة من ميثاق الناتو، مما سيمنح الولايات المتحدة التحالف العسكري الذي سعت لتشكيله منذ بداية الصراع.
وعلى الرغم من القدرات الصاروخية الإيرانية التي يمكنها الوصول إلى أجزاء من القارة الأوروبية، يرجح محللون مثل علي بكر، الباحث في مجلس الشرق الأوسط للشؤون العالمية، أن طهران قد تكتفي بـ لغة التهديد بدلاً من الفعل العسكري المباشر. الهدف الإيراني هنا قد يكون إحداث شرخ بين صوفيا وواشنطن، والضغط على الرأي العام الأوروبي لزيادة التردد في دعم المجهود العسكري الأمريكي، بدلاً من الانخراط في حرب قد تفتح جبهة جديدة تنهك القارة وتخدم مصالح أطراف دولية أخرى تسعى لاستنزاف الموارد الغربية.
تظل المخاوف الحقيقية لأوروبا متمثلة في استمرار أمد الصراع بين الولايات المتحدة وإيران. فمع مرور الوقت، تتزايد الضغوط المالية على الاقتصادات الأوروبية، وتتحول الأنظار بعيداً عن أزمات أخرى أكثر إلحاحاً بالنسبة لبروكسل، مثل الحرب في أوكرانيا. وبينما تظل القدرات الدفاعية للناتو قادرة على التصدي للتهديدات الصاروخية، فإن الخطر الاستراتيجي يكمن في استنزاف التماسك الأوروبي أمام صراع إقليمي بعيد جغرافياً لكنه قريب جداً من حيث التبعات الاقتصادية والأمنية.