
لسنوات طويلة، كانت الحياة في قرية كولاك بإقليم كردستان العراق تتوقف تماماً بمجرد انقطاع التيار الكهربائي المعتمد على المولدات التقليدية. فقد عاشت هذه القرية، كآلاف القرى العراقية، على إيقاع متذبذب من الطاقة؛ ساعات قليلة من الكهرباء تكفي بالكاد لتشغيل الضروريات، قبل أن تتوقف مضخات المياه وتتعطل الثلاجات، وتتوقف معها عجلة الحياة اليومية.
اليوم، تغير المشهد جذرياً في كولاك؛ حيث تعتمد القرية الآن على الطاقة الشمسية، مع أنظمة بطاريات لتخزين الفائض، مما يوفر كهرباء مستقرة على مدار الساعة. هذا التحول لم يقتصر على الإنارة المنزلية فحسب، بل امتد ليشمل القطاع الزراعي، حيث أصبحت مضخات المياه تعمل بانتظام، ووفرت وحدات التبريد للمزارعين قدرة أكبر على التحكم في محاصيلهم وتوقيت بيعها.
تعد كولاك واحدة من خمس قرى في إقليم كردستان خضعت لمبادرة طاقة شمسية فريدة، لا تكتفي بتركيب الألواح فحسب، بل تقترن بتدريب السكان المحليين على تشغيل وصيانة الأنظمة، وربط الطاقة المتجددة بالتنمية الزراعية.
يعاني العراق من مفارقة كبيرة؛ فهو أحد أكبر منتجي النفط في العالم، ومع ذلك لا تزال المجتمعات الريفية تواجه انقطاعات يومية في التيار الكهربائي. وتفاقمت هذه الأزمة مع التغير المناخي الذي جعل الصيف في العراق يتجاوز 50 درجة مئوية، مما أدى إلى جفاف الأراضي الزراعية ودفع الكثير من العائلات الريفية إلى النزوح نحو المدن المكتظة.
ويشير الخبراء إلى أن الحل لا يكمن دائماً في انتظار توسعة الشبكة الوطنية، بل في تبني حلول الطاقة اللامركزية التي توفر استجابة سريعة وفعالة للمجتمعات النائية.
تعتمد المبادرة في كولاك على فلسفة إدارة الطاقة كأصل اقتصادي وليس كمجرد خدمة؛ فالهدف هو تمكين المزارعين من خلال:
إن بناء القدرات المحلية منذ اليوم الأول هو الفارق الحقيقي بين المشاريع المستدامة وبين تلك التي تتحول إلى مجرد هياكل مهجورة بمرور الوقت. إن نجاح هذه التجربة يثبت أن تحول الطاقة في العراق يمكن أن يتحقق من خلال حلول ذكية ومحلية، تمنح العراقيين القدرة على بناء مستقبلهم بأيديهم بدلاً من انتظار الحلول المركزية.
في زيارة أخيرة إلى كولاك، لم تكن الألواح الشمسية هي العنصر الأكثر لفتاً للانتباه، بل كان المستقبل الذي يتشكل؛ حيث يخطط المزارعون للمواسم القادمة بثقة، مستندين إلى بنية تحتية مستقرة، مما يعطي درساً لصناع القرار بأن التغيير الحقيقي يبدأ من الأرض، قرية تلو الأخرى.