
لطالما اعتُبرت الإبل سفن الصحراء والناجي الأخير في أقسى البيئات على وجه الأرض، بفضل تكيفها الفسيولوجي الفريد. لكن هذه السمعة التاريخية تواجه اليوم اختباراً وجودياً؛ إذ بدأت آثار التغير المناخي المتسارعة تتجاوز الحدود البيولوجية التي مكنت هذه الحيوانات من البقاء لآلاف السنين.
في شمال أفريقيا والقرن الأفريقي، حيث تتواجد 80% من الإبل أحادية السنام، تحولت هذه الحيوانات إلى ركيزة اقتصادية أساسية. وتستند قدرتها على التحمل إلى خصائص تشريحية دقيقة، مثل كريات الدم البيضاء البيضاوية، والقدرة على إعادة امتصاص المياه، وتنظيم حرارة الجسم. ومع ذلك، يشير الدكتور محمد بنقومي، مسؤول الإنتاج الحيواني بمنظمة الفاو، إلى أن هذه الآليات تعمل ضمن نطاقات محددة، وأن قدرة الإبل على تحمل درجات حرارة تصل إلى 55 درجة مئوية ترتبط بتوافر المياه والظل، وهي موارد باتت شحيحة.

في إقليم عفار بإثيوبيا، بات الرعاة يشهدون واقعاً مريراً؛ حيث تتجاوز الحرارة 50 درجة مئوية، مما أدى إلى ظهور تشققات في أخفاف الإبل، وحروق جلدية، وتراجع حاد في إنتاج الحليب، واضطرابات في التكاثر. ويوضح البروفيسور عبد المجيد شحمة، من جامعة غرداية، أن التغير المناخي يدفع بالظروف البيئية إلى ما يتجاوز المناعة المطلقة للإبل، إذ يؤدي الجفاف إلى زيادة التقلبات الحرارية وتقليل استهلاك الغذاء.
عندما تتجاوز الحرارة عتبة الـ 40 درجة مئوية، تبدأ الإبل في فقدان كفاءتها الحيوية. وتؤكد الدراسات الميدانية أن الإجهاد الحراري يؤدي إلى:

إن أزمة سفن الصحراء ليست مجرد قضية بيئية، بل هي تهديد مباشر للأمن الغذائي لملايين الرعاة في أفريقيا. ومع استمرار تسجيل درجات حرارة قياسية، أصبح واضحاً أن التكيف الطبيعي للإبل لم يعد كافياً لمواجهة احترار كوكب الأرض، مما يفرض تحديات جديدة على أنظمة التربية والخدمات البيطرية في المناطق الأكثر تضرراً.