
تتعالى أصوات عشرات الأطفال في ساحة خلوة الفكي الأمين بمنطقة الجزيرة إسلانج، شمال مدينة أم درمان، حيث يرتلون آيات الذكر الحكيم في مشهد إيماني يومي. يجلس الطلاب في صفوف متقابلة، يحمل كل منهم لوحه الخشبي، بينما يتابع الشيخ تلاوتهم ومخارج حروفهم بدقة متناهية.
لا تزال الخلوة السودانية متمسكة بإرثها التعليمي الأصيل، حيث يشكل اللوح الخشبي والكتابة بالحبر التقليدي والمشافهة ركيزة أساسية. يوضح الطيب محمد الطيب، إمام المسجد وأحد خريجي الخلوة، أن الدواية ليست مجرد أداة للكتابة، بل هي وعاء لحفظ الحبر الذي يخط به الطالب آيات القرآن، مشيراً إلى أن دورة الكتابة والمحو تعمل على ترسيخ الحفظ وتنمية ملكات التركيز والانضباط لدى الطالب.
ينتظم اليوم الدراسي في الخلوة وفق توقيتات دقيقة تبدأ بـ الدغش بعد صلاة الفجر للحفظ، وتليها الضحوية بعد الشروق للمراجعة. ويؤكد الطيب أن هذه الأجواء تساهم في بناء شخصية الطالب وغرس قيم الصبر، حيث تُعد خلوة الشيخ الفكي الأمين ود أم حقين، التي تأسست قبل نحو 150 عاماً، نموذجاً حياً لهذه المدارس العريقة التي خرّجت أجيالاً من العلماء.
في تطور طبيعي لتلبية احتياجات العصر، ظهرت مراكز حديثة مثل مركز إسلانج للدعوة الذي يجمع بين جوهر الإرث التعليمي ووسائل العصر. يوضح المعلم محمد الفاتح النور أحمد، أن المركز يعتمد مبدأ الكتابة كوسيلة أساسية لترسيخ الحفظ، مستعيضاً عن اللوح الخشبي بـ مصحف الشرافة، وهو كراس تعليمي مخصص لنقل الآيات بخط يد الطالب.
يؤكد مدير المركز، محمد الفاتح عبد الوهاب، أن الهدف من إنشاء المركز هو إتاحة الفرصة لشرائح واسعة من المجتمع، بما في ذلك طلاب الجامعات وربات المنازل، لحفظ القرآن دون الانقطاع عن مساراتهم الحياتية. وقد نجح المركز منذ تأسيسه في تنفيذ 76 دورة استفاد منها أكثر من 7600 طالب وطالبة.