
لم يقتصر التاريخ الإسلامي على الجوانب السياسية والصراعات على السلطة، بل شهد بزوغ ما يمكن تسميته بـسلطة المجتمع، وهي منظومة متكاملة من الرعاية الاجتماعية التي استهدفت سعادة الإنسان وتوفير حياة كريمة له، عبر مؤسسة الوقف التي خضعت لرقابة قضائية صارمة لضمان وصول الموارد لمستحقيها.
في مدينة فاس العريقة، أسس أعيان وتجار المدينة دار الشيوخ لرعاية كبار السن الذين لا عائل لهم. لم تكن مجرد مأوى، بل نموذجاً للرعاية النفسية والاجتماعية؛ حيث كان الشباب يزورون المسنين مرتين أسبوعياً للترفيه عنهم، ويصحبونهم في نزهات إلى جنان فاس لكسر حدة العزلة، مع تكفل الوقف بكافة نفقات المعيشة والصحة.
لم تكن دار الشيوخ في فاس عادية بل نموذجا يدرّس، فقد كان يزور أحد الشباب الشيخ المسن مرتين في الأسبوع؛ ليسرّي عنه بطرق مختلفة، بل ويصحبه مرة كل أسبوع إلى جنان فاس من أجل التنزّه حتى لا يبقى حبيس الدار
شكلت الأربطة والتكايا ركيزة أساسية في شبكة الأمان الاجتماعي، ومن أبرزها رباط السلطان بيبرس الجاشنكير في القاهرة، الذي وُقف على كبار السن المنقطعين، مقدماً لهم الطعام والكساء، مع اشتراطات دقيقة تضمن توجيه الخدمة للفقراء والمحتاجين فعلياً.
كما برزت أربطة متخصصة للنساء، مثل رباط البغدادية بالقاهرة، الذي أوقفته السيدة زينب بنت البغدادية، وكان مخصصاً لإيواء المطلقات والنساء اللاتي هجرهن أزواجهن، حيث وفّر لهن بيئة آمنة للمحافظة على الأخلاق والعبادة حتى يجددن حياتهن. وفي القدس، أسس الأمير تنكز رباطاً مماثلاً لرعاية النساء العجائز.
كان رباط البغدادية موقوفا على النساء المطلقات حتى يتزوجن، أو من هجرهن أزواجهن حتى يرجعن إلى أزواجهن صيانة لهن من الانحراف، واشتهر ذلك الرباط بشدة الضبط وغاية الاحتراز والحفاظ على الأخلاق والمواظبة على العبادة
تعددت صور الوقف لتشمل أدق تفاصيل الحياة الاجتماعية، ومنها:
إن هذه المنظومة الوقفية تعكس عمق حضارة الرحمة التي جعلت من رعاية الإنسان وتوفير متطلباته الأساسية -بل والترفيهية- غاية كبرى، بعيداً عن أزمات السياسة وتقلبات الزمن.