
لطالما كانت الأوقاف في سوريا عبر التاريخ مؤسسة اقتصادية واجتماعية متكاملة، تهدف إلى رعاية الفقراء والطلاب والمرضى، وتشكيل شبكة أمان مجتمعي. إلا أن هذا الإرث الذي امتد لسبعة قرون يواجه اليوم تساؤلات حادة حول مصيره، في ظل تقارير تكشف عن تداخلات سياسية وإدارية أدت إلى تآكل هذه الثروة وتحويلها من خدمة عامة إلى أداة للنفوذ والفساد.
وتعود جذور الحكاية إلى العصر المملوكي، حين أسس الأمير سيف الدين يلبغا اليحياوي في دمشق مجمعاً وقفياً يضم مسجداً ومدرسة ومرافق تجارية، خصص ريعها لخدمة المجتمع. ولم تكن هذه الحالة استثناءً؛ فقد أوقف الأمويون أسواقاً وبساتين لتمويل الجامع الأموي، كما توسعت الأوقاف في العهدين السلجوقي والأيوبي لتشمل المستشفيات مثل البيمارستان النوري، ومشاريع خيرية متنوعة شملت تجهيز العرائس وإطعام الحيوانات ورصف الطرق.
بدأت التعديات على هذه الأملاك منذ القرن الثامن عشر، وتفاقمت خلال الحقب الاستعمارية وما تلاها من تغيرات سياسية. فبعد الاستقلال، انتقلت الأوقاف تدريجياً من مؤسسة مستقلة إلى إدارة حكومية خاضعة لسيطرة الدولة، لا سيما مع القوانين التي صدرت في أواخر الأربعينيات ومرحلة الوحدة، وصولاً إلى تأسيس وزارة الأوقاف عام 1961.
ومع ترسخ حكم البعث ونظام الأسد، تصاعدت الانتقادات حول سوء إدارة الأملاك الوقفية. ويعد وقف يلبغا نموذجاً صارخاً؛ إذ هدم المسجد في السبعينيات ليتحول إلى هيكل إسمنتي متعثر، وسط تقارير عن صراعات نفوذ بين مسؤولين ومستثمرين، أدت في كثير من الأحيان إلى إقالة وزراء وتغيير عقود استثمارية بقرارات عليا، كما حدث في ملفات أخرى مثل أرض معرض دمشق الدولي والتكية السليمانية.
مع نهاية عام 2024، سلطت مراجعة شاملة لملفات الأوقاف الضوء على فجوة هائلة بين حجم الثروة والعائدات. وتشير البيانات إلى أن الوزارة تمتلك نحو 33,700 عقار و170 ألف دونم، بينما كانت الإيرادات السنوية لا تتجاوز 1.6 مليون دولار، وهو رقم ضئيل جداً مقارنة بالواقع الاستثماري لهذه العقارات.
أظهرت عمليات التدقيق وجود عقود استثمارية زهيدة للغاية، حيث كانت تؤجر عقارات تجارية بمبالغ لا تذكر، قبل أن يتم إعادة تقييمها ورفع عوائدها بأضعاف مضاعفة. كما كشفت البيانات عن مئات العقارات غير الموثقة، وأخرى تشغلها مؤسسات حكومية بإيجارات رمزية.
إن أزمة الأوقاف في سوريا اليوم لا تكمن في غياب الثروة، بل في آليات إدارتها وحمايتها من الفساد. وتواجه السلطات تحدياً قضائياً وإدارياً كبيراً لاستعادة هذه الممتلكات، وسط تساؤل جوهري: هل يمكن إعادة تفعيل الوقف ليؤدي وظيفته الأصلية في بناء التكافل الاجتماعي، أم سيظل رهينة للنفوذ والمصالح الضيقة؟