
تشهد روسيا تحولاً جذرياً في سياسات الهجرة، حيث فرضت السلطات قيوداً صارمة تهدف إلى ضبط تدفق العمالة الأجنبية، شملت تشديد شروط الحصول على الجنسية وتصاريح الإقامة، مع ربطها بسجلات جنائية نظيفة. ولم تتوقف الإجراءات عند هذا الحد، بل امتدت لتشمل تعزيز الرقابة الرقمية والشرطية، وإلزام أصحاب العمل بإخطار وزارة الداخلية مسبقاً قبل التعاقد مع المهاجرين، مع تحديد سقف زمني للبقاء لا يتجاوز 90 يوماً للأجانب المعفيين من التأشيرة.
في الوقت الذي تسعى فيه الدولة لضبط المشهد الأمني، يكشف الكاتب فالنتين تولسكي عن وجود صدام خفي بين التوجهات الحكومية ومطالب قطاع الأعمال. وبينما تروج الشركات لفكرة أن الاقتصاد الروسي قد ينهار في غياب المهاجرين، تشير استطلاعات الرأي التي أجرتها الجمعية الروسية للسياسات العامة إلى أن الواقع مختلف تماماً؛ حيث تعتمد أقل من ثلث الشركات على العمالة الأجنبية، وفي أغلبها لا تتجاوز نسبة المهاجرين 10% من إجمالي القوى العاملة.
يؤكد التحليل أن المشكلة الحقيقية التي تواجه الاقتصاد الروسي ليست نقص الأيدي العاملة، بل الحاجة إلى عمالة رخيصة تقبل بأجور زهيدة وتلتزم بالصمت. ويشير تولسكي إلى أن الشركات تستغل قطاعات مثل البناء والخدمات اللوجستية لتمرير هذه العمالة تحت ستار دعم الاقتصاد، بينما يتم استبعاد الكفاءات العالية التي قد تطالب بحقوق أو أجور مرتفعة.
روسيا لا تعاني من نقص في الأيدي العاملة، بل من نقص في الأيدي العاملة الرخيصة التي لا تطالب بحقوقها.
في ظل حساسية الاقتصاد الروسي الراهنة، يقترح الخبراء ضرورة مواءمة القوانين الصارمة مع احتياجات السوق، عبر توظيف العامل الأجنبي لدى جهة عمل محددة وتحت إشراف مباشر من وزارة الداخلية. ومن شأن هذا التوجه أن يحقق عصفورين بحجر واحد: