
يجمع المؤرخون والعلماء على أن عام 536 ميلادي يمثل واحدة من أصعب الفترات في تاريخ البشرية، حيث شهد العالم اضطرابات مناخية غير مسبوقة أدت إلى سلسلة من الكوارث الإنسانية التي غيرت مجرى الحياة في ذلك العصر.
تشير السجلات التاريخية، ومن بينها شهادة المؤرخ البيزنطي بروكوبيوس القيصري، إلى ظاهرة غامضة لوحظت في أوروبا والشرق الأوسط وأجزاء واسعة من آسيا؛ حيث انخفضت شدة ضوء الشمس بشكل حاد، وبدت الشمس خافتة طوال العام وكأنها تشبه القمر في ضيائه الباهت. ولم تتوقف التبعات عند هذا الحد، بل امتدت لتشمل تساقط الثلوج خلال فصل الصيف في الصين، مما أدى إلى تدمير واسع النطاق للمحاصيل الزراعية.
كشفت الدراسات الحديثة التي اعتمدت على تحليل حلقات الأشجار وعينات الجليد المستخرجة من غرينلاند وجبال الألب عن أسباب هذه الظاهرة، حيث عُثر على شظايا مجهرية من الزجاج البركاني يتطابق تركيبها الكيميائي مع مواد بركانية مصدرها آيسلندا. ويُعتقد أن هذه الظاهرة نتجت عن إطلاق كميات هائلة من الرماد والكبريت في الغلاف الجوي.
تفاقمت الأزمة نتيجة ثورات بركانية لاحقة، أبرزها ثوران بركان إيلوبانغو في السلفادور الحالية بين عامي 539 و540 ميلادي، مما أدى إلى حجب جزء كبير من ضوء الشمس لفترات طويلة، وتسبب في عواقب مناخية وخيمة.
شهد نصف الكرة الشمالي خلال تلك الفترة واحدة من أبرد الفترات التي عرفها خلال الألفي عام الأخيرة، حيث تقلصت حلقات نمو الأشجار بشكل ملحوظ، مما يعكس تباطؤاً حاداً في الغطاء النباتي. كما انخفض متوسط درجات حرارة الصيف في أوروبا بما يتراوح بين 1.5 إلى 2.5 درجة مئوية.
أدت هذه الظروف القاسية إلى تضرر المحاصيل لفترات طويلة، مما تسبب في انتشار المجاعات التي أضعفت مناعة السكان، وزادت من معدلات تفشي الأمراض نتيجة تدهور الظروف المعيشية والصحية، لتصبح تلك الحقبة شاهداً تاريخياً على هشاشة الحضارة أمام تقلبات الطبيعة.