
في قلب مدينة عدن، تقف مصفاة النفط التاريخية كشاهد على حقبة صناعية بدأت عام 1954، لكن مشهدها اليوم يعكس حالة من الجمود الاستراتيجي. فبينما تتحرك أطقم الصيانة بين الأنابيب والأبراج العملاقة، لا تزال دورة التكرير الرئيسية معطلة منذ أكثر من عقد، مما يحول المرفق النفطي الأبرز في اليمن إلى مجرد ساحة للتخزين والخدمات اللوجستية المحدودة.
يوضح المدير التنفيذي لشركة مصافي عدن، المهندس سعيد محمد، أن توقف التكرير بدأ فعلياً عام 2015 نتيجة انقطاع إمدادات النفط الخام من مأرب وتفاقم الأزمات الفنية. ومنذ ذلك الحين، اعتمدت المصفاة على تأجير خزاناتها لتغطية نفقات التشغيل ورواتب الموظفين، في محاولة للحفاظ على جاهزية المعدات ومنع تآكلها بفعل الزمن.
يضع الخبراء وإدارة المصفاة محطة الطاقة على رأس قائمة المعوقات؛ فالمحطة ليست مجرد مصدر للكهرباء، بل هي القلب النابض الذي يزود وحدات التكرير بالبخار ومياه التبريد والهواء المضغوط. ورغم تعدد الوعود والخطط الحكومية منذ عام 2018 لاستكمال المحطة بمساعدة شركات صينية، إلا أن المشروع لا يزال يراوح مكانه بين نقص التمويل والتعثر الإداري.
ويشير الخبير الاقتصادي عبد الغني جغمان إلى أن الأزمة تتجاوز الجانب الفني؛ إذ تتقاطع مع مصالح اقتصادية تشكلت حول قطاع استيراد المشتقات النفطية، فضلاً عن تعقيدات في الحوكمة وشفافية العقود التي باتت محل نظر الجهات الرقابية والقضائية.
يؤكد المختصون أن غياب التكرير المحلي يثقل كاهل الاقتصاد الوطني، حيث يضطر اليمن لاستيراد الوقود بأسعار عالمية مضافاً إليها تكاليف الشحن والتأمين، في ظل شح حاد في النقد الأجنبي. ورغم أن المصفاة نجحت في تشغيل جزئي لإنتاج الإسفلت وخطط لتكرير كميات محدودة من الخام، إلا أن ذلك يظل بعيداً عن استعادة الدور المحوري للمنشأة التي كانت تغطي احتياجات البلاد.
يؤكد رئيس نقابة عمال المصافي، سند موسى علي، أن سنوات التوقف أفرغت الوظائف من مزاياها وهددت الاستقرار المعيشي لآلاف العمال والمتقاعدين، حيث تتحمل المصفاة أعباء مالية ضخمة دون أن يكون لديها المورد الأساسي للإنتاج.
تظل المصفاة اليوم عالقة بين طموح العودة وواقع التحديات المالية واللوجستية، حيث يتطلب استئناف العمل منظومة متكاملة تبدأ بالتمويل المؤكد وتنتهي باستقرار إمدادات الخام، ليعود العملاق من جديد للعب دوره الاقتصادي الذي طال انتظاره.