
في عملية منظمة وواسعة النطاق، يواصل جيش الاحتلال الإسرائيلي تفتيت ونقل ملايين الأطنان من ركام المباني المدمرة في قطاع غزة، في خطوة يرى فيها مراقبون وحقوقيون محاولة ممنهجة لطمس معالم الجرائم وتغيير الواقع الجغرافي والديموغرافي للقطاع.
تشير تقارير صادرة عن المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان إلى وجود نحو 68 مليون طن من الركام في غزة، ناتجة عن الحرب المستمرة. وقد أقدم الاحتلال بالفعل على إزالة أو تفتيت ما لا يقل عن 10 ملايين طن من هذا الركام في المناطق الخاضعة لسيطرته العسكرية التي تمتد على ثلثي مساحة القطاع.
تستخدم قوات الاحتلال نحو 400 قطعة من الآليات الثقيلة المخصصة للهدم والتجريف، حيث يتم تحميل الحطام على متن 100 شاحنة يومياً لنقلها إلى مواقع غير معلنة داخل إسرائيل والضفة الغربية. وتؤكد بودور حسن، الباحثة في منظمة العفو الدولية، أن هذه العمليات تهدف إلى تدمير الأدلة الجنائية التي قد تدين الاحتلال أمام محكمة العدل الدولية، مشيرة إلى أن تجريف الأراضي جزء لا يتجزأ من محاولات محو آثار الجريمة.
يرى خبراء استراتيجيون أن إزالة الركام تتجاوز البعد العسكري لتصل إلى الهندسة الحضرية، حيث يتم تدمير حدود الملكيات وأساسات المنازل وشبكات الطرق، مما يجرّد الفلسطينيين من علامات ملكيتهم للأرض ويضع عقبات أمام عودتهم مستقبلاً. ويصف الخبير العسكري إلياس حنا هذه السياسة بأنها شكل متطرف من العقاب الجماعي، تهدف إلى جعل المناطق المدمرة غير صالحة للسكن أو الإعمار، تمهيداً لفرض واقع جغرافي جديد.
تتفاقم المأساة مع تعذر انتشال جثامين نحو 8,500 مفقود تحت الأنقاض، حيث تحول الآليات الثقيلة دون إجراء مسوحات جنائية، مما يعني ضياع رفات الضحايا إلى الأبد. ويؤكد مدير شبكة المنظمات الأهلية في غزة، محمد صالحة، أن الركام يحتوي على شظايا ذخائر وأدلة مادية حاسمة للمساءلة المستقبلية.
من جانبه، أوضح المحامي في مركز الميزان لحقوق الإنسان، سمير المناعمة، أن جيش الاحتلال يمنع طواقم الدفاع المدني من الوصول إلى المناطق التي يسيطر عليها، مما يعد انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني. وتختتم التقارير الحقوقية بالإشارة إلى تدمير أكثر من 93% من المقابر في القطاع، في محاولة شاملة لمحو الوجود الإنساني والتاريخي في غزة.