
في قلب المنطقة الجنوبية من لبنان، حيث لا تزال أصداء القصف تتردد رغم الهدوء الحذر، يقف علي صفي الدين، رئيس الدفاع المدني في مدينة صور، شاهداً على فصول من الألم والأمل. حياته المهنية والشخصية تشكلت على وقع الحروب، حيث باتت مهمة إنقاذ الأرواح من تحت الركام هي بوصلته الوحيدة لمواجهة فقدان لا يمحوه الزمن.
يستحضر صفي الدين ذكريات حرب عام 2006، حين فقد ابنته لين التي لم تتجاوز العام من عمرها، بعد أن طال القصف الملجأ الذي كان يظنه آمناً. هذا الجرح الغائر لم يكسره، بل زاده إصراراً على المضي في مهمته. يقول صفي الدين: أشعر أن روح ابنتي ترافقني في كل عملية إنقاذ، مستذكراً نجاحه في انتشال فتاة من تحت أنقاض انفجار مرفأ بيروت عام 2020، وهو الموقف الذي استعاد فيه لحظات من حياته التي توقفت عند رحيل ابنته.
لا تتوقف المخاطر عند حد العمل الميداني، بل باتت طواقم الدفاع المدني هدفاً مباشراً. ففي 28 أبريل الماضي، فقد صفي الدين ثلاثة من رجاله في غارة استهدفت بلدة مجدل زون. وبحسب تقارير الأمم المتحدة، قُتل ما لا يقل عن 135 من المسعفين وعمال الإغاثة منذ مارس الماضي، مما اضطر فرق الدفاع المدني إلى تغيير تكتيكاتها العملياتية؛ حيث باتت سيارات الإسعاف تتحرك بحذر شديد، مع تخصيص مركبات انتظار لتأمين التغطية في حال تعرض الفريق الأول لهجوم.
لا يرى صفي الدين في رجاله مجرد موظفين، بل أبناءً وعائلة. حتى ابنه حسين، البالغ من العمر 18 عاماً، انضم إلى صفوف الدفاع المدني للعمل إلى جانبه. ويؤكد صفي الدين أن التزامه بالعمل هو عهد قطعه على نفسه لاستكمال رسالة إنسانية تتجاوز الخوف من الموت.
لم يعد لدي أي خوف. الخوف الوحيد هو على من معي. أما الحرب، فقد اعتدت عليها. إن التخلي عن هذا العمل يعني بالنسبة لي التخلي عن روح ابنتي، يختتم صفي الدين حديثه، مؤكداً استمراره في تأهيل مركز الدفاع المدني والبقاء على أهبة الاستعداد لأي طارئ، رغم كل التحديات.