
مضت أكثر من ستة أشهر على توقيع اتفاق 29 يناير/كانون الثاني 2026 بين الحكومة السورية وتنظيم قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، والذي نص على إدماج التنظيم في بنية الدولة السورية عسكرياً وأمنياً وإدارياً، وصولاً إلى الحل النهائي للتنظيم. ومع ذلك، لا يزال الغموض يكتنف الإعلان الرسمي عن هذه الخطوة، وسط تساؤلات حول أسباب التأخير والرسائل السياسية المتبادلة.
وقد أثارت تصريحات الرئيس السوري أحمد الشرع، التي أشار فيها إلى وجود بطء في تنفيذ بنود الاتفاق، تساؤلات حول طبيعة المعوقات التي تحول دون استكمال المسار، في وقت تؤكد فيه دمشق رهانها على الحل السلمي التوافقي.
تعكس تصريحات قائد قوات سوريا الديمقراطية، مظلوم عبدي، رغبته في أن يتم الاندماج وفق شروط وضمانات وترتيبات تحفظ لها أكبر قدر ممكن من النفوذ السياسي والأمني، وتضمن لمقاتليها ومؤسساتها موقعا داخل البنية الجديدة للدولة
على الأرض، حققت عملية الاندماج تقدماً ملموساً في القطاعات الخدمية وتسليم بعض المرافق العامة، بالإضافة إلى دمج آلاف العناصر الأمنية وإعادة هيكلة الوحدات العسكرية. إلا أن ملفات سيادية مثل القضاء، التربية، والسجل المدني لا تزال عالقة، مما يعكس تفاوت وتيرة التنفيذ بين الملفات المختلفة.
لا يعود تأخير إعلان حل قسد إلى رفض مبدأ الاتفاق، بل إلى حسابات تفاوضية دقيقة. ترغب الحكومة السورية في أن يصدر قرار الحل من قيادة قسد ذاتها لضمان الطابع التوافقي، بينما تسعى قيادة التنظيم إلى استثمار ما تبقى من ورقة تفاوضية لضمان مستقبل قياداتها ومقاتليها، وتجنب فقدان التأثير السياسي قبل اكتمال المرحلة الانتقالية.
ويشير مراقبون إلى أن هناك مخاوف لدى قيادات قسد من أن يؤدي الحل السريع إلى تفكيك بنيتها وفقدان القدرة على التأثير، خاصة في ظل الارتباط بمرجعيات تنظيمية خارجية. في المقابل، تتبنى دمشق خطاباً يدمج الأكراد كمواطنين سوريين متساوين، بعيداً عن حصر تمثيلهم في تنظيم عسكري أو حزب واحد، وهو ما تجسد في المرسوم رقم 13 لعام 2026 الذي منح الجنسية للجميع وأقر النيروز عطلة رسمية.
يرتبط نجاح الاتفاق بتجاوز أزمة الثقة بين الطرفين، ومعالجة الملفات الأكثر تعقيدا، خاصة أن أبرز العقبات تتمثل في ارتباط عدد من قيادات قسد بمرجعيات حزبية وتنظيمية خارج سوريا، وفي مقدمتها حزب العمال الكردستاني
تظل المراهنة على تغيرات إقليمية أو دولية خياراً يتبعه البعض داخل التنظيم، وهو رهان يراه المحللون خاسراً في ظل الإجماع الدولي على وحدة وسيادة الدولة السورية.
قد يكون الخيار السياسي هو الأمثل لقادة قسد، الذي يجسده سعي بعضهم إلى تأسيس حزب سياسي مدني يضم أطيافا متعددة، ويمنح المكون الكردي حضورا منظما في الحياة السياسية بعد إنهاء التنظيم العسكري والإدارة الذاتية
يبقى نجاح الاتفاق مرهوناً بقدرة الطرفين على تجاوز العقبات الأمنية والارتباطات الخارجية، والتحول نحو العمل السياسي المدني ضمن أطر الدولة، وهو المسار الذي قد يمنح المكون الكردي حضوراً مستداماً وشرعياً في الحياة السياسية السورية.