
تكشف سلسلة التحركات الأخيرة لوزير الخزانة الأمريكي، سكوت بيسنت، عن حالة استنفار داخل الإدارة الأمريكية لمواجهة الارتفاع المقلق في عوائد سندات الخزانة طويلة الأجل. يأتي هذا التحرك في وقت تضغط فيه معدلات التضخم، والتوترات الجيوسياسية، والعجز المالي الضخم على تكاليف الاقتراض، مما يثقل كاهل الأسر والشركات والحكومة على حد سواء.
وتشير تقديرات خبراء وول ستريت إلى أن تدخل بيسنت لدعم الين الياباني، إلى جانب التعديلات في لغة وزارة الخزانة بشأن إصدارات الديون، ودعمه لرئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفن وارش، تأتي في إطار محاولة استباقية لمنع العوائد طويلة الأجل من تسجيل قفزات تاريخية جديدة، بعد أن تجاوز عائد سندات الـ10 سنوات حاجز الـ4.65%، وهي مستويات لم تشهدها الأسواق منذ 19 عاماً.
في خطوة استراتيجية، تدخلت الولايات المتحدة في سوق العملات لدعم الين الياباني لأول مرة منذ عام 1998. وعلى الرغم من أن الهدف المباشر هو مساندة العملة اليابانية، إلا أن الخطوة تحمل بعداً جوهرياً لسوق الدين الأمريكية؛ إذ تقلل من حاجة اليابان لبيع ما في حوزتها من سندات خزانة أمريكية لتوفير السيولة الدولارية.
كما سعى بيسنت إلى توسيع تسهيل إعادة الشراء الخاص بالسلطات النقدية الأجنبية لدى الاحتياطي الفيدرالي، مما يتيح للبنوك المركزية العالمية الحصول على الدولار مقابل سندات الخزانة دون الاضطرار لتسييلها في السوق المفتوحة. وفي موازاة ذلك، عدلت وزارة الخزانة صياغة توجيهاتها بشأن الإصدارات المستقبلية من زيادات إلى تغييرات، وهو ما فسره المستثمرون كإشارة محتملة لخفض إصدارات السندات طويلة الأجل لتقليل الضغط على منحنى العائد.
رغم هذه التحركات، تظل الأدوات المتاحة أمام الخزانة محدودة أمام التحديات الهيكلية؛ حيث تواجه الولايات المتحدة عجزاً سنوياً يقترب من تريليوني دولار، مما يفرض ضغوطاً مستمرة لإصدار المزيد من الديون في ظل ضغوط تضخمية متصاعدة.
ويؤكد المحللون أن نجاح هذه السياسات يعتمد على عوامل تتجاوز قدرة وزارة الخزانة، وعلى رأسها استعادة ثقة المستثمرين في قدرة الاقتصاد الأمريكي على كبح جماح التضخم الذي تجاوز هدف الـ2% لسنوات. ويبقى رهان الإدارة معقوداً على بيانات الاقتصاد الكلي، حيث أظهرت مؤشرات سوق العمل الأخيرة حساسية عالية، مما قد يمنح بيسنت متنفساً إذا جاءت بيانات التضخم القادمة أقل من المتوقع.