
يمثل اتفاق الدفاع المشترك الذي وقعته المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان في مكة المكرمة منعطفاً يتجاوز كونه مجرد تحالف إقليمي تقليدي. إن دلالة هذا الميثاق لا تكمن في بنوده فحسب، بل في الرسالة الاستراتيجية التي يحملها حول كيفية رؤية دول المنطقة لمستقبل أمنها القومي.
لقد أظهرت أحداث العقد الماضي تحولاً في حسابات دول الخليج، حيث لم يعد السؤال متمثلاً في حجم القوة الأمريكية، بل في مدى القدرة على التنبؤ باستخدامها. ففي ظل واقع جيوسياسي متقلب، أدركت العواصم الخليجية أن الشراكات العميقة مع واشنطن، مهما بلغت قوتها، لم تعد ضمانة تلقائية للحماية، خاصة عندما تملي السياسات الداخلية الأمريكية قراراتها في لحظات الأزمات.
تتبنى دول المنطقة استراتيجية جديدة قائمة على تنويع الخيارات بدلاً من الاستبدال. الهدف ليس الانعتاق من المعسكر الأمريكي لصالح معسكر آخر، بل تجاوز منطق المعسكرات ذاته، والتحضير لعالم قد تكون فيه الولايات المتحدة أقل حضوراً أو أقل استقراراً في مواقفها.
وفي هذا السياق، يبرز ميثاق مكة كخطوة استباقية لبناء قطب ثالث يمنع هيمنة أي طرف على المنطقة. فمع تراجع الثقل الأمريكي، تبرز مخاوف من فراغ قد تسعى قوى إقليمية أخرى لملئه، مما يجعل الهدف الأسمى لهذا التحالف هو الردع ورفع تكلفة أي اعتداء، بدلاً من الدخول في صراعات مباشرة.
لطالما كانت منطقة الخليج مستهلكاً أمنياً يعتمد على شبكات حماية وتصنيع غربية. لكن ميثاق مكة يسعى لتغيير هذه المعادلة من خلال دمج القدرات التكميلية للدول الثلاث:
إن جوهر هذا التعاون يتجاوز صفقات الشراء التقليدية؛ إذ يطمح الاتفاق إلى التوطين المشترك للتقنيات الدفاعية، وإنشاء قيادة موحدة قادرة على إدارة أنظمة الدفاع الجوي والإنذار المبكر والعمليات السيبرانية.
لا تتوقف حدود الأمن في الميثاق الجديد عند الحدود البرية، بل تمتد لتشمل ممرات الطاقة والتجارة العالمية من الخليج إلى البحر الأحمر، مروراً بمضيق هرمز وباب المندب. إن تطوير تعاون بحري منظم يمنح دول المنطقة القدرة على حماية موانئها وخطوط إمداداتها دون اعتماد كلي على الأساطيل الغربية، وهو ما يعد حجر الزاوية في التحوط ضد أي تراجع أمريكي مستقبلي.
إن التاريخ الإقليمي مليء بالاتفاقيات التي فشلت في التحول إلى واقع ملموس لغياب الأسس السياسية المشتركة. لذا، فإن الاختبار الحقيقي لميثاق مكة لن يكون في الميزانيات الدفاعية أو أعداد المشاركين، بل في مدى استعداد الدول الموقعة لتحمل تكلفة الدفاع عن بعضها البعض. إذا نجح هذا المسعى، فقد تكون المنطقة بصدد بناء توازن أمني جديد لا يعتمد كلياً على قوى تأتي من وراء المحيطات.