
لم تعد الفيضانات التي تضرب العاصمة الموريتانية نواكشوط مجرد ظواهر موسمية عابرة، بل تحولت إلى مؤشر خطر يعكس هشاشة بيئية حادة ناتجة عن تقاطع التغير المناخي مع التوسع العمراني غير المدروس. وتجد المدينة نفسها عالقة بين تهديدات المحيط الأطلسي غرباً وزحف الرمال شرقاً، في تحدٍ يصنفه الخبراء كأحد أعقد التحديات التي تواجه المدن الساحلية في غرب أفريقيا.
كشفت دراسة علمية حديثة نشرت في يونيو 2026 في جورنال أوف لاند آند ووتر ديفيلوبمنت، تحليلاً مقلقاً لصور الأقمار الصناعية والبيانات الهيدرولوجية بين عامي 1994 و2024. وأظهرت النتائج أن مساحة المناطق المعرضة للفيضانات داخل العاصمة قفزت من 0.07% فقط عام 1994 إلى 3.96% عام 2024، ما يمثل زيادة كارثية بلغت 50 ضعفاً.
وتشير خبيرة الحوكمة البيئية والاجتماعية، هناء ديدي بونعامة، إلى أن نحو 60% من مساحة نواكشوط تقع على ارتفاع يقل عن متر واحد فوق مستوى سطح البحر، مما يجعل أي اختراق للحاجز الرملي الساحلي تهديداً مباشراً لسلامة المدينة وسكانها.
يؤكد الدكتور محمد يحيى الأفضل الشاه، المدير العام للمرصد الوطني للبيئة والساحل، أن نواكشوط تواجه ضغطاً مزدوجاً؛ فبينما يهدد المحيط الأطلسي بتآكل الشريط الساحلي وتملح المياه الجوفية، تواصل الكثبان الرملية زحفها التدريجي نحو المناطق العمرانية، مما يرفع كلفة الحماية ويهدد البنية التحتية.
يوضح المهندس علي سالم ولد السالك أن المدينة شُيدت في منخفض ساحلي يُعرف بـ أفطوط، مما يعزز تجمع المياه طبيعياً. وقد اعتمدت المدينة تاريخياً على الحاجز الرملي الزبار كخط دفاع طبيعي، إلا أن الأنشطة البشرية والاستغلال المكثف للرمال أضعفا هذا الدرع.
وفي هذا السياق، أطلقت السلطات مشروعاً لإعادة تأهيل الحاجز عبر إصلاح 15 فتحة حرجة، ورفع مستواه ليتراوح بين 3.35 و5.59 أمتار، لمواجهة سيناريوهات ارتفاع مستوى البحر.
لا تتوقف الأزمة عند مياه الأمطار والبحر، بل تمتد لارتفاع منسوب المياه الجوفية الذي يسبب تملح التربة وتآكل الأساسات. ويشير الخبراء إلى وجود مفارقة حادة؛ فبينما تغرق أحياء معينة في المياه الجوفية، تعاني المدينة من عجز في إمدادات مياه الشرب، حيث يصل الطلب اليومي إلى 150 ألف متر مكعب مقابل إنتاج لا يتجاوز 60 ألفاً، مما يفرض ضرورة ربط مشاريع التحلية بشبكات صرف صحي متطورة لتجنب تفاقم الأزمة.
تجمع الآراء العلمية على أن مستقبل نواكشوط مرهون بالانتقال من إدارة الكوارث إلى إدارة المخاطر الاستباقية. ويتطلب ذلك دمج خرائط المخاطر المناخية في التخطيط العمراني، ومنع التوسع في المناطق المنخفضة، وتعزيز الحوكمة البيئية لضمان تحويل المعرفة العلمية إلى سياسات عملية تقي العاصمة من مصير مجهول.