
أدى التدفق غير المسبوق لنحو 72 ألف مهاجر إلى مدينة سبتة الخاضعة للإدارة الإسبانية في أواخر يوليو/تموز 2026 إلى إحداث هزة سياسية في القارة الأوروبية، حيث كشفت الأزمة عن تصدعات عميقة في جدار التضامن الأوروبي، ووضعت اتفاقية شنغن لحرية التنقل على المحك.
وقد تسببت موجة العبور الجماعي من المغرب إلى سبتة في مأساة إنسانية تمثلت في مصرع 72 مهاجراً، مما دفع إيطاليا لاتخاذ قرار أحادي بتعليق العمل باتفاقية شنغن، مبررة ذلك بضرورة حماية الأمن الوطني. ووصفت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجا ميلوني هذه الخطوة بأنها إجراء استثنائي لا مفر منه.
في المقابل، قوبل القرار الإيطالي برفض إسباني قاطع، حيث اعتبرت مدريد الإجراءات الإيطالية غير عادلة وتمثل تمييزاً، ومنحت روما مهلة لرفع القيود، وهو ما قوبل بتمسك إيطالي برفض ما وصفته بـالإملاءات.
وتشهد الساحة الأوروبية انقساماً حاداً؛ ففي الوقت الذي دعت فيه إيطاليا والدانمارك إلى تعليق عضوية إسبانيا في فضاء شنغن، اصطفت 22 دولة أوروبية خلف دعوة مشتركة تشدد على ضرورة تنسيق الجهود وتعزيز الحدود الخارجية للاتحاد، وذلك وفقاً لوثائق مسربة كشفت ضغوطاً متزايدة لتبني سياسات هجرة أكثر صرامة.
تتجاوز الأزمة حدود السياسة لتصل إلى الاقتصاد؛ حيث تشير بيانات مكتب الإحصاء الأوروبي إلى أن تقييد حرية التنقل يهدد قطاع السياحة الذي يعتمد على حركة أكثر من مليار مسافر سنوياً. ويحذر المحللون من أن هذه الأزمة قد تكون مقدمة لموجة طويلة من الخلافات، خاصة مع تصاعد نفوذ الأحزاب اليمينية التي تستغل ملف الهجرة في أجنداتها الانتخابية.
يظل السؤال المحوري الذي يواجه قادة القارة العجوز: كيف يمكن الموازنة بين متطلبات الأمن القومي والالتزامات الإنسانية، دون التضحية بحرية التنقل التي تعد أحد أعظم إنجازات التكامل الأوروبي؟