
في أروقة مستشفيات شيكاغو، وقف الدكتور طارق لطيف، طبيب الرعاية التلطيفية، أمام تحدٍ يتجاوز حدود الطب التقليدي. حينما كان يراقب مريضاً يحتضر، وجد نفسه عاجزاً عن مد يد العون لابن المريض الذي لم يتمكن من سماع كلمات والده الأخيرة بسبب ضجيج أجهزة التنفس الاصطناعي. تلك اللحظة لم تكن مجرد واقعة طبية، بل كانت شرارة تساؤل وجودي: ما هي الغاية الحقيقية من الطب؟ ومن يملك حق تقرير مصير اللحظات الأخيرة للإنسان؟
يقول لطيف (40 عاماً) عن تلك التجربة: لقد فعلت كل ما علمتني إياه كليات الطب، ومع ذلك شعرت بعدم كفاءة مطلقة. هذا الشعور بالقصور دفعه لمراجعة أسس الأخلاقيات الطبية التي تعلمها، واصفاً إياها بأنها متطورة في التطبيق، لكنها واهية في الجذور.
لم يجد لطيف ضالته في النقاشات الأكاديمية المجردة التي تبتعد عن الواقع الإنساني، بل وجدها في تقاطع غير متوقع بين الطب والأخلاقيات الحيوية الإسلامية. كانت نقطة التحول حين استمع إلى الدكتور عاصم باديلا في جامعة شيكاغو، حيث رأى لأول مرة نموذجاً لطبيب يدمج ببراعة بين الممارسة السريرية والفكر الإسلامي.
يصف لطيف ذلك اللقاء قائلاً: كانت المرة الأولى التي أشعر فيها بوجود شخص متكامل، لا يكتفي بإلقاء مصطلحات إسلامية منفصلة، بل يقدم رؤية شمولية.
لطالما عانى لطيف من شعور بـ ازدواجية التعليم؛ فهو يحمل شهادات طبية عليا، لكنه يشعر بتقصير معرفي تجاه جذوره الثقافية والدينية. ولحل هذه المعضلة، اتخذ قراراً جريئاً بالانتقال إلى شيكاغو، حيث بدأ برنامجاً دراسياً في كلية دار القاسم الدينية بالتوازي مع نيله درجة الماجستير في الأخلاقيات الحيوية من جامعة نورث وسترن.
تلك الرحلة مكنته من كسر الحواجز التي وضعها بين هويته كمسلم وممارسته كطبيب. لم أعد مضطراً لترك هويتي عند باب المستشفى، يقول لطيف، مؤكداً أن العلم حيثما وُجد هو ضالة المؤمن، وأن الحاجة إلى إطار معرفي مؤصل كانت هي المفتاح الذي جعله يرى الطب والعلوم الشرعية كوجهين لعملة واحدة تخدم الإنسان في أشد لحظاته ضعفاً.