
تعد قضية ليندسي كلانسي، الممرضة الأمريكية التي أقدمت على إنهاء حياة أطفالها الثلاثة في يناير 2023، نموذجاً مأساوياً يسلط الضوء على ذهان ما بعد الولادة؛ وهو اضطراب نفسي نادر وشديد الخطورة يضع الأم في مواجهة مباشرة مع فقدان الاتصال بالواقع، مما قد يؤدي إلى نتائج كارثية إذا لم يتم التدخل الطبي العاجل.
تستند قضية كلانسي في أروقة المحاكم إلى دفاع جوهري: غياب الإدراك الكامل وقت ارتكاب الجريمة نتيجة الحالة النفسية الحادة. وعلى الرغم من أن القضاء لا يزال يفصل في مسؤوليات هذه القضية، إلا أنها فتحت نقاشاً واسعاً حول الحدود الفاصلة بين المسؤولية الجنائية والاضطراب النفسي المرتبط بالولادة.
يصيب هذا الاضطراب امرأة إلى إمرأتين من كل ألف حالة ولادة، ويُصنف كحالة طبية طارئة تتطلب تدخلاً فورياً. وفقاً لخدمات الصحة الوطنية البريطانية، تختلف هذه الحالة جذرياً عن اكتئاب ما بعد الولادة؛ فبينما يتميز الاكتئاب بالحزن المستمر والإرهاق، يتسم الذهان بفقدان الاتصال بالواقع، والهلوسة، والأوهام، والارتباك الشديد، وتقلبات المزاج الحادة.
تروي هبة، وهي أم لطفلين، تجربتها القاسية مع هذا الاضطراب قائلة: كنت أسمع أصواتاً تدفعني لإيذاء طفلي. لا أحد يفهم ما يحدث داخل دماغ الأم في تلك اللحظة؛ فالمجتمع غالباً ما يختزل معاناتنا في مجرد تهيؤات، متجاهلاً حجم الصراع الداخلي الذي نعيشه.
وتضيف همسة، التي عانت من صدمة مماثلة بعد ولادة متعسرة: كنت أصرخ طلباً للمساعدة، وأعبر عن خوفي من إيذاء طفلي، حتى أدركت عائلتي أنني لست بخير. كانت أياماً من الجحيم النفسي الذي لا أتمنى لأي أم أن تختبره.
تؤكد ديما حداد، أخصائية علم النفس الإكلينيكي، أن الأعراض قد تبدأ بمؤشرات إنذارية بسيطة، مثل اضطراب شديد في النوم، ارتباك في التفكير، أو شك وارتياب متزايد. ومع تطور الحالة، قد تبدأ الأم بسماع أصوات غير موجودة أو بناء معتقدات وهمية حول طفلها.
وتشير الأخصائية إلى ضرورة التدخل الفوري في الحالات التالية:
تشير دراسات متخصصة، مثل تلك التي أجرتها الدكتورة بربها إس تشاندرا، إلى أن الأوهام المرتبطة بالرضيع تزيد من مخاطر إساءة المعاملة. وفي هذا السياق، توضح الدكتورة أمريثا بهات من جامعة واشنطن، أن الحل لا يكمن دائماً في فصل الأم عن طفلها، بل في توفير وحدات الأم والطفل التي تسمح بتلقي العلاج النفسي مع بقاء الطفل في بيئة آمنة، مما يقلل من حدة اضطراب العلاقة بينهما ويضمن سلامة الطرفين.
تظل وصمة العار المرتبطة بالمرض النفسي العائق الأكبر أمام طلب المساعدة، وهو ما يستدعي وعياً مجتمعياً أكبر لدعم الأمهات في هذه المرحلة الحرجة، والتعامل مع ذهان ما بعد الولادة كمرض يحتاج إلى رعاية طبية متخصصة وليس كوصمة أخلاقية.