
في خطوة نادرة تعكس عمق التشابك في النظام المالي العالمي، نفذت الولايات المتحدة واليابان تدخلاً منسقاً لوقف التدهور الحاد في قيمة الين الياباني، الذي سجل أدنى مستوياته أمام الدولار الأمريكي منذ عام 1986، ملامساً حاجز 163 ين للدولار.
يتمثل التدخل في العملات في قيام البنوك المركزية أو الحكومات بعمليات بيع أو شراء مكثفة للعملات الأجنبية لتحقيق الاستقرار في سعر صرف عملتها الوطنية. بدأت هذه العملية في 31 يوليو، حيث شرعت وزارة الخزانة الأمريكية في بيع اليورو مقابل الين، بالتزامن مع عمليات شراء مكثفة للين من قبل السلطات اليابانية، مما أدى إلى صعود الين لاحقاً إلى مستوى 157 أمام الدولار.
تجدر الإشارة إلى أن هذا التحرك ليس الأول من نوعه؛ إذ سبق وأن تدخلت واشنطن لدعم العملة اليابانية خلال الأزمة المالية الآسيوية عام 1998، وفي عام 2011 عقب زلزال وتسونامي توهوكو.
يعاني الين من ضغوط مزمنة نتيجة تحديات اقتصادية طويلة الأمد، تفاقمت بفعل سياسات نقدية تضمنت لسنوات أسعار فائدة منخفضة جداً أو سلبية لتحفيز النمو. وعلى الرغم من أن ضعف العملة ساهم في تنشيط قطاع السياحة وجعل الصادرات اليابانية أكثر تنافسية، إلا أنه أثقل كاهل الأسر اليابانية برفع تكاليف الواردات.
ورغم إنفاق طوكيو عشرات المليارات من الدولارات منذ عام 2022 للدفاع عن عملتها، إلا أن المزيج الحالي بين السياسات المالية والنقدية الفضفاضة استمر في دفع الين نحو الانخفاض، مما أثار مخاوف من تضخم متصاعد.
يوضح الخبراء أن التدخل الأمريكي لم يأتِ فقط من أجل اليابان، بل لحماية مصالح واشنطن المالية. فمع كون الين ثالث أكثر العملات تداولاً في العالم، فإن انهياره قد يسبب اضطرابات في أسواق سندات الخزانة الأمريكية واستقرار النظام المالي العالمي.
وتخشى واشنطن أن تضطر طوكيو -التي تمتلك سندات خزينة أمريكية بقيمة تتجاوز 1.1 تريليون دولار- إلى تسييل جزء كبير من هذه الحيازات لتوفير السيولة اللازمة للدفاع عن الين، مما قد يؤدي إلى رفع أسعار الفائدة في الولايات المتحدة وزيادة أعباء الدين العام الأمريكي الذي تخطى 39 تريليون دولار.
يرى المحللون الاقتصاديون أن التدخل المشترك يقدم دعماً مؤقتاً فقط. فالفجوة الكبيرة في أسعار الفائدة بين اليابان (1%) والولايات المتحدة تظل المحرك الرئيسي لضعف الين. وبدون تحول جذري في سياسات البنك المركزي الياباني نحو تشديد السياسة النقدية، تظل جهود التدخل مجرد مسكنات، حيث تؤكد الحقائق الاقتصادية أن قوى السوق الأساسية ستطغى في النهاية على محاولات التدخل المصطنعة.