
بينما بدأت بعض السلع بالعودة تدريجياً إلى أسواق قطاع غزة بعد أشهر من الحصار الخانق، يواجه الفلسطينيون واقعاً أكثر مرارة؛ فتوفر البضائع لا يعني إمكانية الحصول عليها، حيث تلاشت القدرة الشرائية لدى معظم العائلات التي استنزفت مدخراتها وفقدت مصادر دخلها.
تعيش غدير نصار، وهي أم لسبعة أطفال، في فصل دراسي بمدرسة الرمال النموذجية للنازحين، وتصف حياتها اليومية بأنها صراع مستمر من أجل البقاء. تقول غدير: لم يعد بإمكاني شراء ما أريد، بل أشتري فقط ما أستطيع تحمل تكلفته. اضطرت غدير إلى بيع خاتم زفافها وهاتف زوجها لتوفير قوت أطفالها، وتلجأ أحياناً إلى نظام المقايضة، كاستبدال الأرز بالعدس لضمان إطعام أسرتها لفترة أطول.
يؤكد ماهر الخضري، وهو صاحب متجر في مدينة غزة، أن أنماط الشراء تغيرت بشكل جذري. ورغم توفر كميات أكبر من السلع، إلا أن أسعارها تظل مرتفعة جداً بسبب تكاليف النقل والشحن، وهو ما يجعلها بعيدة عن متناول المواطنين.
ويشير الخضري إلى معضلة يومية يعيشها التجار؛ فالمواطنون يطلبون الشراء بالدين، لكن التجار أنفسهم يعانون من ضيق الحال. ويضيف: الناس لم يعودوا قادرين حتى على شراء قطعة خبز، والبعض يضطر لشراء الخضروات بالقطعة بدلاً من الكيلوغرامات، بينما أصبحت الحلويات من كماليات الماضي.
تشير بيانات الأمم المتحدة إلى أن انعدام الأمن الغذائي لا يزال في مستويات مرتفعة، حيث ارتفع مؤشر أسعار المستهلك للمواد الغذائية بنسبة 102% مقارنة بمستويات ما قبل الحرب. ويوضح الخبير الاقتصادي محمد أبو جياب أن توفر السلع في الأسواق لا يعكس نشاطاً اقتصادياً حقيقياً، بل هو مظهر خادع في ظل غياب السيولة النقدية وفقدان فرص العمل.
ويؤكد أبو جياب أن التعافي الاقتصادي يتطلب خلق فرص عمل وتوفير دخل ثابت للأسر، وهو أمر يبدو بعيد المنال في ظل غياب الاستقرار طويل الأمد.
وفي ظل هذا الواقع، تظل القصص الإنسانية هي الأكثر تعبيراً عن المأساة، حيث تضطر غدير نصار أحياناً لطهي الماء مع بودرة الخضار لتسكت جوع أطفالها، معبرة عن خوفها الدائم من أن تكون أيامنا هذه هي الأفضل، وأن القادم أسوأ.