
أثارت التصريحات الأخيرة لوزير الخارجية الأمريكي، ماركو روبيو، بشأن مضيق هرمز جدلاً واسعاً حول مستقبل أمن الطاقة العالمي. ففي مقابلة إعلامية، طرح روبيو رؤية جيوسياسية تهدف إلى تقليل الاعتماد الدائم على المضيق، الذي كان يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط العالمية قبل التوترات الإقليمية الراهنة.
يرى روبيو أن دول المنطقة باتت تدرك أن إيران، التي تصر على الاحتفاظ بسيطرتها على هذا الممر الاستراتيجي، تمثل تهديداً مباشراً، مما يستدعي إعادة هيكلة شاملة لمسارات تدفق موارد الطاقة نحو الأسواق العالمية. ومع ذلك، يحذر خبراء الاقتصاد والمحللون الجيوسياسيون من أن إعادة رسم خارطة الطاقة في الشرق الأوسط تصطدم بعقبات لوجستية وأمنية يصعب تجاوزها.
تكمن صعوبة خطة تجاوز هرمز في الأرقام؛ حيث تشير بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية (EIA) إلى أن المضيق، الذي يبلغ عرضه 39 كيلومتراً، يمر عبره حوالي 20 مليون برميل من النفط يومياً، أي ما يعادل 20% من الاستهلاك العالمي. كما يعد المضيق نقطة عبور حيوية لخُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال في العالم، لا سيما القادم من قطر.

وفي هذا السياق، يوضح الباحث الاقتصادي أحمد أبو قمر أن تصريحات روبيو تعكس رؤية استراتيجية بعيدة المدى وليست خطة قابلة للتنفيذ الفوري. ويؤكد أن أسواق الطاقة تخضع لقوانين العرض والطلب الصارمة، وأن تقليل الاعتماد على المضيق يتطلب عقوداً من الزمن واستثمارات بمليارات الدولارات، خاصة في قطاع الغاز الطبيعي المسال الذي يعتمد بنيته التحتية بالكامل على هذا الممر.
لطالما طرحت دول المنطقة فكرة الأنابيب البرية كبديل للمسارات البحرية، مثل خط أنابيب شرق-غرب السعودي الذي يربط مرافق بقيق بميناء ينبع على البحر الأحمر، وخط أنابيب أبوظبي للنفط الخام الذي ينقل النفط إلى ميناء الفجيرة. ومع ذلك، تظل هذه البدائل غير كافية؛ حيث تبلغ طاقتها الاستيعابية القصوى حوالي 9 ملايين برميل يومياً فقط، وهو رقم لا يغطي سوى أقل من نصف الاحتياجات التي تمر عبر هرمز.
علاوة على ذلك، فإن نقل الاعتماد من هرمز إلى البحر الأحمر لا ينهي المخاطر، بل ينقلها إلى مضيق باب المندب، الذي يعاني أصلاً من تهديدات أمنية متزايدة. ويشير المحللون إلى أن الأنابيب ومحطات الضخ تمثل أهدافاً ثابتة عالية القيمة، مما يجعلها عرضة لهجمات الطائرات المسيرة والصواريخ، وهو ما يثير مخاوف كبرى لدى شركات الطاقة العالمية من ضخ استثمارات ضخمة في أصول قد تكون عرضة للتعطيل في أي لحظة.
في المحصلة، يبقى الهروب من الواقع الجغرافي لمضيق هرمز هدفاً صعب المنال، حيث تظل التحديات الأمنية واللوجستية تشكل عائقاً أمام أي محاولة لإعادة تشكيل سلاسل إمداد الطاقة العالمية بشكل جذري وسريع.