
تضع أزمة الهجرة الأخيرة في مدينة سبتة مستقبل حرية التنقل داخل فضاء شنغن على المحك، بعد أن أعلنت إيطاليا تعليق العمل بالاتفاقية جزئياً مع إسبانيا، فارضةً رقابة مؤقتة على القادمين منها جواً وبحراً، في خطوة تزامنت مع تشديد فرنسا إجراءاتها الأمنية على الحدود الإسبانية وتعزيز البرتغال لوجودها الأمني.
ورغم التأكيدات الإيطالية بأن التفتيش سيكون انتقائياً ويستهدف بشكل أساسي غير مواطني الاتحاد الأوروبي، إلا أن هذه الإجراءات أثارت مخاوف واسعة في قطاع السياحة، الذي يعتمد بشكل كلي على سهولة الحركة وانسيابية التنقل بين دول القارة كمنتج سياحي متكامل.
تمثل اتفاقية شنغن العمود الفقري للسياحة الأوروبية، حيث تتيح للسياح -خاصة القادمين من الخليج وآسيا والأمريكتين- زيارة وجهات متعددة دون عوائق حدودية. وتكشف بيانات يوروستات أن حركة الطيران داخل الاتحاد سجلت تعافياً قوياً في 2025، حيث وصل عدد المسافرين إلى 1.093 مليار مسافر، وتصدرت إسبانيا وإيطاليا قائمة الأسواق الأكثر نشاطاً.

ويرى الخبير السياحي عبد السلام علي الكيالي أن الأثر النفسي لهذه القيود أكبر من أثرها العملي، موضحاً أن مجرد الحديث عن تشديد الرقابة قد يزعزع ثقة المسافرين، خاصة في ظل تزامن هذه الأزمات مع تحديات مناخية كحرائق الغابات وموجات الحر التي شهدتها أوروبا مؤخراً.
تشير التقديرات إلى أن السياحة البرية هي الأكثر عرضة للضرر المباشر، إذ إن أي زيادة في زمن العبور عند الحدود ستنعكس سلباً على شركات الحافلات والرحلات السياحية. وفي هذا السياق، حذر المجلس العالمي للسفر والسياحة (WTTC) من أن وصول فترات الانتظار عند الحدود إلى 3 أو 4 ساعات قد يهدد ما يصل إلى 45.4 مليار دولار من الإنفاق السياحي.

بينما يرى البعض أن الشعور بالأمن قد يتقدم على سرعة العبور في أولويات السائح، يشدد خبراء الاقتصاد على أن الحل المستدام يكمن في التكنولوجيا. ويؤكد الخبير الاقتصادي كميل الساري أن توسيع نطاق استخدام الجوازات البيومترية والبوابات الذكية وتقنيات الذكاء الاصطناعي قد يسمح بتعزيز الرقابة الأمنية دون المساس بانسيابية الحركة، وهو ما قد يحول دون تحول الإجراءات المؤقتة إلى عقبات دائمة أمام الاقتصاد السياحي الأوروبي.
