
يواجه الرهان الأوروبي على تأجيل عمليات شراء الغاز الطبيعي المسال استعداداً لفصل الشتاء تحديات وجودية، في ظل اندفاع غير مسبوق من المشترين الآسيويين لاقتناص الشحنات الفورية، مما دفع الأسعار نحو مستويات قياسية وأثار مخاوف من عجز محتمل في الإمدادات.
كانت الحكومات الأوروبية وشركات الطاقة تمني النفس بتأجيل مشترياتها من الغاز أملاً في انخفاض الأسعار، خاصة مع ترقب عودة الملاحة الطبيعية عبر مضيق هرمز. إلا أن تصاعد حدة التوترات الجيوسياسية في المنطقة أدى إلى ارتفاع أسعار الغاز في أوروبا بنسبة تقارب 50% خلال الشهر الماضي، حيث تجاوز مؤشر الأسعار 62 يورو (نحو 67 دولاراً) لكل ميغاواط/ساعة.
وتشير البيانات إلى أن مخزونات الغاز في الاتحاد الأوروبي تبلغ حالياً نحو 54% من طاقتها الاستيعابية، وهو مستوى يقل بكثير عن متوسط السنوات الخمس السابقة البالغ 70%، ويبتعد عن الهدف الاستراتيجي المحدد بـ 80% بحلول نوفمبر/تشرين الثاني المقبل.
في المقابل، تحركت دول آسيوية مثل الهند وبنغلاديش وباكستان، إلى جانب الصين -أكبر مستورد للغاز المسال في العالم- لتأمين احتياجاتها الصيفية. وقد أدى هذا الطلب القوي إلى تحويل مسارات العديد من شحنات الغاز الطبيعي المسال بعيداً عن الموانئ الأوروبية، حيث يفضل الموردون المشترين الآسيويين المستعدين لدفع أسعار أعلى.
وفي هذا السياق، يرى الخبير الاقتصادي كاسبيان كونران أن المشترين الأوروبيين أصبحوا مضطرين الآن لمواجهة واقع السوق الجديد ودفع أسعار باهظة لتجنب أزمة تجمد محتملة في فصل الشتاء.
تتزامن هذه الأزمة مع مساعي الاتحاد الأوروبي الحثيثة لإنهاء اعتماده على الغاز الروسي بحلول يناير 2027. ورغم تقليص الاعتماد، لا يزال الغاز الروسي يشكل جزءاً من الإمدادات الأوروبية (نحو 17% خلال النصف الأول من العام الجاري). وتضع هذه المعطيات أوروبا أمام معضلة مزدوجة: تأمين احتياجاتها بأسعار مرتفعة، مع استمرار الضغوط الرامية لفك الارتباط بمصادر الطاقة الروسية، مما يجعل السوق الأوروبية أكثر حساسية تجاه أي اضطراب في تدفقات الطاقة العالمية.