
بعد عقود من التوجس والحذر، تخلت المؤسسات الصحفية في الولايات المتحدة عن سياسة المسافة الآمنة مع صناع القرار، لتتبنى نهجاً جديداً يرى في السياسات العامة طوق النجاة لأزمة اقتصادية خانقة تهدد بقاء الإعلام المحلي. لم يعد السؤال اليوم يتركز على جدوى التدخل الحكومي، بل انصبّ حول كيفية صياغة تدخل تشريعي يحمي الصحافة دون المساس باستقلاليتها.
يرصد مات بيرس، مدير السياسات في منظمة ريبيلد لوكال نيوز (Rebuild Local News)، هذا التحول الجذري، مؤكداً أن الصحفيين الذين اعتادوا العمل من موقع المراقب المحايد باتوا مضطرين اليوم لتعلم لغة الميزانيات والضرائب، بعدما أصبح مستقبل مؤسساتهم رهناً بقرارات البرلمانات المحلية.
تشهد الولايات المتحدة حراكاً تشريعياً غير مسبوق؛ حيث طرحت 21 ولاية وإقليماً مشاريع قوانين تهدف لدعم القطاع عبر آليات متنوعة، تشمل تخصيص حصص من الإعلانات الحكومية للمؤسسات المحلية، ومنح إعفاءات ضريبية لتوظيف الصحفيين، بالإضافة إلى حوافز ضريبية للشركات الصغيرة التي تختار الإعلام المحلي كمنصة لإعلاناتها.
لا يأتي الاهتمام التشريعي من فراغ؛ إذ يدرك المشرعون أن الصحافة المحلية هي العين الرقابية التي تغذي حركتهم السياسية. وبحسب بيرس، فإن غياب الصحفيين عن قاعات المجالس المحلية أدى إلى تراجع الرقابة على الإنفاق العام، مما رفع تكاليف الاقتراض على الحكومات، محولاً دعم الإعلام من قضية ثقافية إلى ضرورة اقتصادية.
تعتبر منظمة ريبيلد لوكال نيوز أن إعادة توجيه جزء من ميزانيات الإعلانات الحكومية إلى الإعلام المحلي هي الحل الأكثر واقعية. فعلى سبيل المثال، نجحت مدينة نيويورك من خلال برنامج آد بوست في ضخ 70 مليون دولار في شرايين الصحافة المحلية، بعد قرار يلزم الهيئات بتوجيه نصف ميزانياتها الإعلانية للمؤسسات المحلية.
إلى جانب التمويل، بات كشط المحتوى بواسطة روبوتات الذكاء الاصطناعي يتصدر أجندة السياسات الإعلامية. ويرى بيرس أن هذا التحدي قد يكون العامل المشترك الذي يوحد المؤسسات الإعلامية الكبرى والصغرى للمطالبة بإطار قانوني صارم يحمي الحقوق الملكية الفكرية، سواء عبر تراخيص جماعية أو تعديلات تشريعية جذرية.
في نهاية المطاف، يؤكد بيرس أن الطريق لا يزال طويلاً ومحفوفاً بالمقاومة السياسية، كما حدث في ولاية ماريلاند، لكن الوعي بضرورة تعلم قواعد اللعبة السياسية أصبح هو المبدأ الحاكم لمستقبل الصحافة المحلية في أمريكا، حيث لم يعد النجاح مقاساً بحجم الأموال فحسب، بل بالقدرة على الاندماج في نقاشات التنمية الاقتصادية الشاملة.