
في إنجاز علمي لافت، تمكن باحثون من توثيق مشاهدات نادرة للغاية لواحد من أكثر كائنات أعماق البحار غموضاً، وهو حبار الزعنفة الكبيرة (Magnapinna)، وذلك على عمق يتجاوز 4300 متر تحت سطح المحيط الأطلسي.
جاء هذا التوثيق خلال بعثة استكشافية في منطقة صدوع دولدرمز، وهي منطقة جيولوجية وعرة شمال خط الاستواء. وقد رصد العلماء فردين من هذه الرخويات النادرة يسبحان جنباً إلى جنب، في مشهد يعد من أوضح التسجيلات التي تم الحصول عليها لهذا النوع حتى الآن.
ينتمي هذا الكائن إلى جنس ماغنابينا، وهو اسم لاتيني يعني الزعانف الكبيرة، إشارةً إلى زعانفه الضخمة ذات الشكل القلبي التي تساعده على التنقل. ويتميز الحبار بأذرع ولامسين طويلين للغاية يمكن أن يمتدا لعدة أمتار، حيث يبلغ طول أكبر فرد وُثق علمياً نحو 6.4 أمتار.
وتتخذ أطراف هذا الحبار وضعية انثناء فريدة تشبه مفصل المرفق البشري، مما يمنحها مظهراً هندسياً دقيقاً. ويفترض العلماء أن هذه الوضعية قد تساعد الحيوان على منع تشابك أطرافه أثناء الحركة أو تعزيز قدرته على التقاط الفرائس في بيئة الأعماق الفقيرة بالموارد.
منذ اكتشافه في ثمانينيات القرن العشرين، لم يُسجل لهذا الكائن سوى بضع عشرات من المشاهدات المؤكدة. وتؤكد الباحثة باولا أندريا زاباتا راميريز، التي شاركت في البعثة، أن رصد فردين في غطسة واحدة يعد حدثاً استثنائياً، مشيرةً إلى أننا ما زلنا نجهل الكثير عن دورة حياته، وطرق تكاثره، وسلوكه الغذائي.
تساهم التقنيات الحديثة، مثل المركبات الآلية المشغلة عن بُعد (ROVs) وكاميرات التصوير عالية الدقة، في تغيير فهمنا لهذه الكائنات المراوغة. فبعد أن كان الحبار يُرى في لقطات ضبابية غير واضحة، تتيح الصور الجديدة فحص التفاصيل التشريحية الدقيقة وتأكيد مدى تكيف هذه الكائنات مع الضغوط الهائلة ودرجات الحرارة المنخفضة في الأعماق السحيقة.
ويؤكد العلماء أن هذه الاكتشافات تذكرنا بأن أعماق المحيطات لا تزال تخفي أسراراً بيولوجية مذهلة، وأن استمرار البعثات العلمية بمركبات متطورة هو السبيل الوحيد لكشف خبايا أكبر موائل الحياة على كوكب الأرض.