
يتصاعد الجدل في الأوساط الاقتصادية السودانية حول جدوى حذف أصفار من العملة الوطنية، في خطوة يراها البعض ضرورة ملحة لتنظيم الكتلة النقدية، بينما يحذر آخرون من كونها إجراءً شكلياً يفتقر إلى المعالجات الهيكلية العميقة، خاصة في ظل فقدان الجنيه لأكثر من 80% من قيمته الشرائية منذ اندلاع الحرب في أبريل/نيسان 2023.
تأتي هذه المطالب في وقت اتخذ فيه بنك السودان المركزي خطوات تنظيمية مؤخراً، شملت سحب 6 فئات نقدية من التداول (الجنيه، الجنيهان، 5، 10، 20، و50 جنيهاً)، محدداً مهلة تنتهي في 30 يوليو/تموز الجاري لاستبدالها عبر المصارف التجارية. وتهدف هذه الخطوة إلى إعادة هيكلة التركيبة الفئوية للعملة لتواكب التطورات الاقتصادية الراهنة.
على أرض الواقع، فرضت الضغوط الاقتصادية منطقها الخاص؛ حيث تجاوز سعر صرف الدولار في السوق الموازية حاجز الـ 5500 جنيه. وقد قام التجار والمتعاملون بـ حذف الأصفار تلقائياً في معاملاتهم اليومية، حيث بات يُشار للمليون جنيه بـ ألف جنيه، وتراجعت هيمنة العملة الورقية لصالح التطبيقات المصرفية التي أصبحت الوسيلة الأساسية للسداد، من شراء السلع البسيطة إلى دفع الرسوم الحكومية.
يرى الباحث الاقتصادي محمد حسان أن حذف الأصفار قد يحمل أثراً نفسياً إيجابياً بتقليص الشعور بانهيار العملة وتسهيل إدارة السيولة، لكنه يؤكد أن ذلك لن يعالج الأسباب الهيكلية للتضخم مثل العجز المالي وضعف الإنتاج. ويشير حسان إلى أن دولاً عديدة لجأت لهذا الإجراء سابقاً كتركيا والبرازيل، لكنه يظل إجراءً شكلياً ما لم ترافقه إصلاحات جذرية.
في المقابل، يصف وزير المالية السابق علي محمود هذا التوجه بـ الهروب من المواجهة، معتبراً إياه نوعاً من الغش للمواطن الذي لن يحل مشكلة تدهور القوة الشرائية، داعياً إلى تبني برنامج علمي قصير المدى لإعادة التوازن للاقتصاد.
من جانبه، شدد الخبير الاقتصادي محمد الناير على ضرورة حذف 3 أصفار من العملة لتصحيح وضع الفئات النقدية، محذراً من مخاطر أمنية واقتصادية، أبرزها وجود عملات مزورة طُبعت خلال الحرب، مما يستوجب سرية تامة ودقة في حال اتخاذ قرار بتبديل العملة بشكل كامل.
مصادر داخل بنك السودان المركزي أوضحت أن فكرة حذف الأصفار لا تزال في طور الدراسة الفنية، مشيرة إلى أن تنفيذها يتطلب ترتيبات إدارية معقدة وتكلفة طباعة قد تصل إلى 500 مليون دولار، فضلاً عن الحاجة لقرار سياسي حاسم يسبق التنفيذ الذي قد يستغرق عاماً كاملاً.