
أقر البرلمان المصري، الثلاثاء، مشروع قانون لإعادة تنظيم عمل جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة، وهو كيان حكومي استراتيجي يشرف على مشروعات كبرى في مجالات الزراعة والأمن الغذائي. يأتي هذا الإجراء بعد نحو عشرة أيام من إحالة الحكومة لمشروع القانون، الذي ينتظر حالياً تصديق رئيس الجمهورية لدخوله حيز التنفيذ.
يمنح القانون الجديد الجهاز صفة هيئة اقتصادية ذات طبيعة خاصة، تتمتع بالاستقلال المالي والإداري والفني، مع نقل تبعيته من القوات المسلحة إلى رئاسة الجمهورية مباشرة. ويهدف هذا التحول، وفقاً لتصريحات رئيس الجهاز بهاء الغنام أمام البرلمان، إلى تحويل الكيان إلى حاضنة أعمال تفتح المجال أمام الاستثمارات الخاصة.
تأسس الجهاز رسمياً بقرار رئاسي عام 2022، رغم أن نشاطه العملي بدأ منذ عام 2017 عبر مشروعات استصلاح زراعي واسعة النطاق تستخدم تقنيات الري الحديث والزراعة الدقيقة. يهدف الجهاز إلى زيادة الإنتاج المحلي وتقليل فاتورة الاستيراد للسلع الاستراتيجية، ويشرف حالياً على استصلاح نحو 4.5 مليون فدان، بالإضافة إلى مشروعات الطاقة والإنتاج الحيواني والتخزين.
كما يتضمن القانون إنشاء صندوقين استثماريين تابعين للجهاز؛ هما أهرامات النيل لإدارة الأصول والشراكات الاستثمارية، وداعم لتمويل البرامج التنموية والخدمية.
أثار القانون جدلاً واسعاً حول صلاحيات الجهاز. فبينما يرى مؤيدوه أن القانون يضع إطاراً تشريعياً لكيان قائم بالفعل، يحذر خبراء من تداخل الأدوار. يقول الدكتور مصطفى كمال السيد، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، إن الصلاحيات الواسعة الممنوحة للجهاز قد تؤدي إلى نشوء دولة داخل الدولة، مشيراً إلى تزامن ذلك مع تعهدات الحكومة بتقليص دور الدولة في الاقتصاد وفقاً لبرنامج الإصلاح الاقتصادي المدعوم من صندوق النقد الدولي.
من جانبه، أوضح النائب مصطفى بكري أن البرلمان أجرى 73 تعديلاً على مواد القانون الـ81، لتعزيز الرقابة وضمان الشفافية، مؤكداً أن التعديلات شملت إخضاع الجهاز لرقابة الجهاز المركزي للمحاسبات، وإلزامه بسداد الضرائب والتأمينات، وقصر صلاحياته على الأراضي الواقعة تحت ولايته.
رغم التعديلات البرلمانية، تظل المخاوف قائمة بشأن تضارب المصالح. وتؤكد الباحثة ندى عرفات، من المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، أن القانون يجمع في يد جهة واحدة سلطات التخطيط، والتنفيذ، وإدارة الأصول، والرقابة، ومنح التراخيص، مما يتطلب مزيداً من الشفافية في نشر البيانات المالية وعقود الشراكة.
وفي المقابل، يرى الدكتور محمد فؤاد، رئيس الكتلة البرلمانية لحزب العدل، أن القانون خطوة ضرورية لفك الارتباط التاريخي للجهاز بالقوات المسلحة، معتبراً أن نجاح التجربة مرهون بقدرة الجهاز على الفصل الحقيقي بين دوره كمستثمر اقتصادي ودوره التنظيمي، مع الالتزام الكامل بمعايير الحوكمة.
تأتي هذه الخطوة في وقت تتزايد فيه الضغوط الدولية والمحلية لتهيئة بيئة تنافسية عادلة للقطاع الخاص، حيث تشير تقارير صندوق النقد الدولي إلى وجود مئات الشركات والكيانات المملوكة للدولة في مصر، مما يجعل إعادة هيكلة هذه الكيانات ملفاً محورياً في مسار الإصلاح الاقتصادي المصري.